في الذكرى الخامسة عشرة لثورة 25 يناير 2011، عاد صوت الشهداء ليخترق الصمت، لا عبر الميادين هذه المرة، بل من خلال فيديو مؤثر صُمّم بتقنيات الذكاء الاصطناعي، أعاد ملامح الوجوه الغائبة، وأيقظ ذاكرة جماعية حاول الخوف والنسيان إخمادها.

 

الفيديو، الذي انتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، جمع صورًا ومقاطع متخيلة لشهداء الثورة، وحرّك مشاعر آلاف المتابعين، الذين تفاعلوا معه باعتباره لحظة صادقة أعادت إنسانية يناير إلى الواجهة. تعليقات كثيرة وصفت المقطع بأنه «موجع»، و«أقرب إلى رسالة من الماضي»، بينما رأى آخرون أنه كسر حاجز الصمت المفروض على الذكرى، ولو لدقائق.

 

لم يكن الفيديو مجرد عمل تقني، بل بدا كأنه فعل مقاومة للغياب، ومحاولة لاستعادة الوجوه التي غيّبها الموت، والقصص التي لم يُسمح لها بأن تُروى كاملة. في زمن تُراقَب فيه الذاكرة، وتُدار فيه المشاعر بحذر، جاء هذا العمل البصري ليؤكد أن الثورة، وإن تحوّلت إلى ذكرى، لم تفقد قدرتها على البكاء والإيلام.

 

 

خوف معلن وامتنان صامت

 

تمر ذكرى يناير هذا العام محمّلة بمشاعر متناقضة لدى من عاشوا التجربة أو اقتربوا منها. الخوف حاضر بوضوح، ليس فقط من استعادة الذكريات، بل من مجرد التعبير عنها. الامتناع عن مشاركة صور، أو إعادة نشر مقاطع أرشيفية، أو حتى الحديث العابر عن الثورة، بات سلوكًا شائعًا، فرضته سنوات من القلق والمساءلة.

 

كثيرون يفضّلون الصمت، لا إنكارًا لما حدث، بل حماية لأنفسهم ولأبنائهم. الحديث عن يناير لم يعد مجرد استرجاع للماضي، بل مغامرة غير محسوبة العواقب. لذلك، اختار البعض أن يحتفظ بالذكرى داخلية، شخصية، بلا أثر علني.

 

في المقابل، يعيش آخرون حالة امتنان صامت تجاه الثورة، باعتبارها تجربة إنسانية نادرة، حتى وإن انتهت بهزيمة ثقيلة. الامتنان هنا لا يرتبط بالنتائج، بل بما مثّلته اللحظة من شعور جمعي بالكرامة، والانتماء، ومعنى الوطنية. يرى هؤلاء أن الخسارة لا تُلغي القيمة، وأن التجربة، مهما كانت نهايتها، ستظل جزءًا لا يُمحى من التاريخ الشخصي والجماعي.

 

جرح مفتوح لا يندمل

 

لا تزال يناير، بالنسبة لكثيرين، جرحًا مفتوحًا، يمتد من الماضي إلى الحاضر. يظهر أحيانًا في الأحلام، وأحيانًا في نوبات حزن مفاجئة، وأحيانًا في مقاطع فيديو قصيرة، مثل ذلك الذي صُمم بالذكاء الاصطناعي وأعاد الوجوه إلى الواجهة.

 

هذا الجرح لا يرتبط فقط بما ضاع، بل بما لم يُكتمل. هناك إحساس دائم بأن الحلم قُطع في منتصفه، وأن الأسئلة الكبرى تُركت بلا إجابات. ومع مرور السنوات، لم تتراجع وطأة الذكرى، بل تغيّر شكلها؛ من هتاف في الشارع، إلى صمت ثقيل في الذاكرة.

 

السجناء.. الغائبون الحاضرون

 

في كل ذكرى ليناير، تعود قضية السجناء السياسيين إلى الواجهة بوصفها الوجه الأكثر قسوة لما آلت إليه الأمور. بالنسبة لكثيرين، لا معنى للاحتفاء أو الصمت ما دام الآلاف يقبعون خلف القضبان. الذكرى، في هذا السياق، ليست مناسبة للحنين، بل للتذكير.

 

يرى هؤلاء أن الخوف الحقيقي لا يكمن في استعادة يناير، بل في ترك من دفعوا ثمنها يواجهون النسيان. لذلك، يصبح نشر الصور، ومقاطع الفيديو، والكتابة عن الثورة، فعلًا مرتبطًا بالحاضر، لا الماضي، وواجبًا أخلاقيًا يتجاوز الحسابات الشخصية.