على مدار الشهور المقبلة وحتى سبتمبر 2026 تقف مصر أمام جبل من الاستحقاقات الدولارية يقترب من 66.6 مليار دولار، وفق بيانات البنك الدولي، في وقت يعيش فيه الاقتصاد تحت ضغط خانق من الديون، وتآكل احتياطي النقد الأجنبي، وتضخم غير مسبوق، وسط استمرار نظام الانقلاب في الهروب للأمام عبر مزيد من الاقتراض والرهان على "تدوير الدين" بدلًا من مواجهة أصل الأزمة: نموذج اقتصادي يبتلع القروض ولا ينتج تنمية حقيقية.
هذه الأرقام ليست مجرد بيانات مالية في تقرير دولي، بل إنذار مباشر بأن البلاد تسير في ممر ضيق بين خيارين كارثيين:
إما سداد الديون بأي ثمن عبر بيع الأصول والخصخصة ورفع الدعم والضرائب،
وإما الانزلاق نحو تعثّر جزئي أو كامل يعصف بما تبقّى من استقرار مالي واجتماعي.
استحقاقات بـ66.6 مليار دولار في عام واحد: دولة تعمل لخدمة الدائنين لا المواطنين
طبقًا لبيانات البنك الدولي، تبلغ استحقاقات الدين الخارجي على مصر خلال فترة الاثني عشر شهرًا التي تنتهي في سبتمبر 2026 حوالي 66.6 مليار دولار، تشمل أقساط وفوائد وودائع مستحقة للسداد أو التجديد.
• خلال الربع الرابع من 2025 تم سداد نحو 15.75 مليار دولار.
• خلال التسعة أشهر من يناير حتى سبتمبر 2026 تستحق مدفوعات إجمالية قيمتها نحو 50.83 مليار دولار موزعة كالتالي:
o حوالي 28.24 مليار دولار في الربع الأول من 2026
o حوالي 12.74 مليار دولار في الربع الثاني من 2026
o حوالي 9.85 مليار دولار في الربع الثالث من 2026
الخطير هنا ليس فقط ضخامة الرقم، بل طريقة الإدارة؛ فالنظام يعتمد على إعادة تدوير الدين: يسدد قروضًا بودائع جديدة، ويقترض من صندوق النقد ومؤسسات دولية لرد ديون قصيرة الأجل وأذون خزانة، ويبيع أصولًا مملوكة للشعب لسد فجوات التمويل، بينما يظل عجز الموازنة في مستويات خطرة والدين الخارجي في مسار صاعد.
بهذا الشكل تتحول الدولة إلى ماكينة تحصيل ضرائب وبيع أصول لصالح الدائنين، لا جهازًا يخدم مواطنيها أو يستثمر في الصحة والتعليم والتشغيل. كل زيادة في الأسعار، وكل ضريبة جديدة، وكل بيع لشركة أو ميناء أو أرض… جزء من الفاتورة الهائلة التي لا تعود بفائدة على المواطن، بل تُدفع فقط لإبقاء النظام صامدًا أمام لحظة التعثر.
الودائع الخليجية: حبل إنقاذ مؤقت يُطيل الأزمة ولا يحلها
تحت سطح هذه الأرقام، تلعب الودائع الخليجية دورًا حاسمًا؛ فهي ليست دعمًا مجانيًا، بل ديون مؤجلة الاستحقاق يمكن سحبها أو استخدامها كورقة ضغط سياسية واقتصادية في أي لحظة.
وفق البيانات المتاحة، تحتفظ ثلاث دول خليجية بودائع لدى البنك المركزي المصري بقيمة إجمالية تقارب 18.3 مليار دولار تستحق تباعًا حتى أكتوبر 2026، موزعة كالتالي:
• السعودية: حوالي 10.3 مليارات دولار
• الكويت: حوالي 4 مليارات دولار
• قطر: حوالي 4 مليارات دولار تم تجديدها كودائع قصيرة الأجل
وفي ديسمبر الماضي، جددت الكويت وديعة بقيمة 2 مليار دولار كانت مستحقة في أبريل 2025، ليتم تمديد أجلها حتى أبريل 2026، ما يعني أن القاهرة لم تستطع ردها، واضطرت لطلب تمديد جديد، في إشارة واضحة إلى ضيق السيولة الدولارية وصعوبة السداد الفعلي في المدى القصير.
هذه الودائع تُستخدم رسميًا لإظهار أرقام احتياطي نقدي أعلى، لكنها في حقيقتها أموال مستحقة السداد، وليست ملكًا حرًا لمصر. أي هزة سياسية مع إحدى هذه الدول، أو أي خلاف استراتيجي، قد يحول هذه الودائع من "خط أمان" إلى كابوس استحقاقات مفاجئة تضغط بقوة على الجنيه وعلى الموازنة.
والأخطر أن استمرار الاعتماد على هذه الودائع يعني أن القرار الاقتصادي المصري أصبح مرتهنًا أكثر فأكثر لمعادلات إقليمية: رضى من منحوا الودائع، وصفقات أصول وموانئ وأراضٍ، واصطفاف سياسي في ملفات مثل غزة، ليبيا، السودان، والبحر الأحمر… كل ذلك يدخل ضمن إطار "ضمانات السداد" غير المعلنة.
اقتصاد مرهون حتى 2026 وما بعدها: من يدفع الثمن فعلًا؟
حين تقول التقارير الدولية إن على مصر أن تسدد أو تعيد تمويل أكثر من 66 مليار دولار في سنة واحدة، فهذا لا يعني مجرد رقم على الورق، بل يعني:
• ضغطًا مستمرًا على سعر الصرف، مع احتمال موجات جديدة من خفض الجنيه إذا لم تتدفق استثمارات حقيقية أو قروض جديدة كبيرة.
• استمرار سياسات رفع الأسعار والضرائب والرسوم لسد عجز الموازنة وخدمة الدين، على حساب الفقراء والطبقة الوسطى.
• تسارع وتيرة بيع الأصول العامة – موانئ، شركات، أراضٍ، فنادق – لتحصيل دولارات سريعة تُنفق غالبًا على سداد ديون قصيرة الأجل، لا على بناء قدرة إنتاجية طويلة الأمد.
• تقليص الإنفاق على الخدمات العامة (الصحة، التعليم، الدعم) لصالح بنود خدمة الدين وفوائده التي تلتهم جزءًا متزايدًا من الموازنة.
الاستحقاقات الممتدة حتى سبتمبر 2026 تعني أن السنوات القادمة ليست سنوات تعافي، بل سنوات سداد وفواتير مؤجلة. ومع غياب رؤية اقتصادية جادة تعيد بناء نموذج إنتاجي حقيقي يخلق قيمة مضافة وصادرات، يبقى السيناريو الأقرب هو:
• مزيد من ارتهان القرار الوطني للدائنين
• مزيد من إفقار الداخل عبر الضرائب والغلاء ورفع الدعم
• ومزيد من التبعية المالية والسياسية بحجة "الحفاظ على الاستقرار"
في النهاية، الأرقام التي كشفها البنك الدولي لا تمثل مفاجأة بقدر ما هي تأكيد على مسار بدأ منذ سنوات:
دولة تُدار بمنطق شركة غارقة في الديون، تُباع أصولها قطعةً بعد أخرى، بينما يُترك المواطن يواجه وحده موجات الغلاء والفقر وانهيار الخدمات.

