في الوقت الذي يكرر فيه خطاب حكومة مصطفى مدبولي الحديث عن «دعم الاستقرار في السودان» و«استضافة ملايين اللاجئين»، تكشف الوقائع على الأرض عن سياسة مغايرة تمامًا؛ سياسة تقوم على الترحيل القسري، وتجريم الفارين من الحرب، وتحويل معاناتهم إلى ورقة تفاوض للحصول على المليارات من الشركاء الدوليين.

 

فبحسب المفوضية المصرية للحقوق والحريات، رحّلت السلطات حتى نهاية ٢٠٢٥ نحو ٤٢٬٩٤٤ لاجئًا ومواطنًا سودانيًا ضمن ما تسميه «برنامج العودة الطوعية»، عبر قطارات وحافلات خاصة تنطلق من القاهرة وأسوان نحو الحدود، في وقت تؤكد فيه تقارير أممية أنّ السودان ما زال يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع نزوح يتجاوز ١٢ مليون شخص واحتياج عشرات الملايين لمساعدات عاجلة.

 

في هذا السياق، يتكشف تناقض صارخ بين الصورة التي يروّجها نظام عبد الفتاح السيسي لنفسه كـ«دولة مضيفة»، وبين نمط موثق من الاعتقالات الجماعية والاحتجاز التعسفي والترحيل القسري، اعتبره أربعة من المقررين الخاصين بالأمم المتحدة «تصعيدًا واسعًا في انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية» وخرقًا لالتزامات مصر الدولية.

 

«العودة الطوعية» على الورق.. ترحيل قسري بالأرقام والشهادات

 

التسمية الرسمية «رحلات عودة طوعية» تبدو، في ضوء الأرقام والشهادات، أقرب إلى تغطية سياسية لعمليات ترحيل قسري واسعة النطاق.

 

فالاتصال المشترك الذي اعتمد عليه المقررون الأمميون يوثق ارتفاعًا بنسبة ١٢١٪ في اعتقال اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لدى المفوضية السامية خلال الفترة من يناير لأغسطس ٢٠٢٥ مقارنة بالعام السابق، مع احتجاز ما لا يقل عن ١١٢٨ شخصًا في الربع الأول من ٢٠٢٥ وحده، وتقديرات بترحيل ما بين ١٠ آلاف و٢٢ ألف سوداني قسرًا خلال ٢٠٢٤ فقط.

 

تقرير «مكبَّلون مثل المجرمين الخطرين» الصادر عن منظمة العفو الدولية يرسم صورة أكثر قسوة؛ إذ يوثق منذ سبتمبر ٢٠٢٣ حملات اعتقال عشوائية لسودانيين على أساس لون البشرة في القاهرة والجيزة وأسوان، واحتجازهم في مخازن واسطبلات عسكرية في ظروف «قاسية ولا إنسانية» قبل دفعهم قسرًا إلى الحدود دون تمكينهم من طلب اللجوء أو الطعن على قرارات الترحيل.

 

المتحدثة باسم العفو الدولية سارة حشّاش علّقت على هذه الممارسات بالقول إن من غير المقبول أن يُعامل نساء ورجال وأطفال فرّوا من حرب مدمرة في السودان كأنهم خطر أمني يُعتقلون ويُرحّلون بالجملة، بينما تتلقى الأجهزة المسؤولة عن اعتقالهم تمويلًا سخيًا من الاتحاد الأوروبي تحت لافتة «إدارة الحدود» و«مكافحة التهريب».

 

لاجئون بين قبضة الأمن وصفقات المليارات مع أوروبا

 

في مارس ٢٠٢٤ وقّع الاتحاد الأوروبي مع القاهرة «شراكة استراتيجية» بحجم ٧٫٤ مليار يورو، بينها ٢٠٠ مليون يورو مخصصة مباشرة لبرامج «إدارة الهجرة ومكافحة التهريب»، فوق تمويلات سابقة بلغت ٨٠ مليون يورو لدعم حرس الحدود وخفر السواحل المصريين. هذه الأموال تُقدَّم رسميًا لمساعدة مصر على استضافة اللاجئين، لكنها عمليًا تعزز قبضة الأجهزة الأمنية التي توثّق التقارير استخدامها لاعتقال وإبعاد السودانيين على نطاق واسع.

 

الحقوقي المصري نور خليـل، المدير التنفيذي لمنصة اللاجئين في مصر، حذّر أمام البرلمان الأوروبي من أن هذه الحزم المالية تجعل من النظام المصري «شريكًا أمنيًا» للاتحاد الأوروبي في منع الهجرة، بينما تُدفع كلفتها من دم وكرامة اللاجئين الذين يُستخدمون كورقة تفاوض للحصول على المساعدات وشرعنة القمع في الداخل.

 

هذه الصورة تتقاطع مع ما كشفته تحقيقات صحفية دولية عن مخطط متكامل للاعتقال والترحيل من مصر إلى السودان، بالتوازي مع برامج «نقل مجاني» بالقطارات والحافلات تُسوَّق إعلاميًا كخدمة إنسانية، بينما يعاني العائدون من غياب أي ضمانات أمنية أو معيشية في بلد ما زالت الحرب تجتاح أغلب مناطقه.

وفي الخلفية، يستمر خطاب رسمي يتحدث عن «عبء اللاجئين» وتكاليف استضافتهم، بدل الاعتراف بأن السودانيين ساهموا في تنشيط الأسواق وسد فجوات في سوق العمل المصري المنهك.

 

أصوات حقوقية: مصر «ليست نموذجًا للجوء» والمهاجرون ليسوا أداة ابتزاز

 

على المستوى الحقوقي الدولي، خلص تقرير «لا نموذج للجوء» الذي أعدّته الخبيرة ديفون كون من «ريفيوجيز إنترناشونال» إلى أن سياسات مصر تجاه اللاجئين السودانيين تكاد تخلو من أي رؤية حماية حقيقية؛ فالوصول إلى الإقامة القانونية أو العمل أو التعليم يبقى شبه مستحيل لغالبية اللاجئين، ما يضاعف هشاشتهم ويدفع كثيرين منهم إلى التفكير في طرق أكثر خطورة، بما في ذلك التهريب عبر الصحراء إلى ليبيا ثم قوارب الموت نحو أوروبا.

 

المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق المهاجرين، جهاد ماضي، شدد بدوره على أن استخدام المهاجرين كورقة ضغط سياسية أو أداة للتفاوض مع الشركاء الدوليين يتعارض جوهريًا مع التزامات الدول في مجال حقوق الإنسان، مؤكدًا أن حقوق المهاجرين يجب أن تُحترم بوصفهم «أصحاب حقوق» لا مجرد أرقام في معادلات الأمن والتمويل. ومع أن مداخلاته لم تُخصِّص مصر وحدها، فإن النمط الذي ترصده التقارير الأممية في الحالة المصرية يقدم نموذجًا صارخًا لما يحذر منه.

 

أما البيان المشترك للمقررين الخاصين الأربعة، والذي استند إلى تقرير أعدته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومنصة اللاجئين في مصر، فيؤكد أن ما يجري يمثل «انهيارًا» لمنظومة حماية اللاجئين في البلاد، مع تحوّل الاعتقال التعسفي والترحيل القسري إلى سياسة منهجية تطال حتى المسجلين لدى الأمم المتحدة وحملة الإقامات القانونية.

 

في ضوء هذه الشهادات والوثائق، تبدو ادعاءات نظام السيسي عن «دعم الاستقرار في السودان» و«استضافة اللاجئين» أقرب إلى دعاية سياسية تُستثمر في الخارج للحصول على المعونات وتخفيف الضغوط، بينما يدفع اللاجئون السودانيون الثمن مضاعفًا: مرة في بلادهم التي دمرتها الحرب، ومرة أخرى على أراضي دولة تستغل خوفهم وهشاشتهم لتشديد قبضة القمع في الداخل وبيع نفسها لحلفائها بوصفها شرطي الحدود الجديد.