أعادت تصريحات الدكتورة رانيا المشاط عن صرف الاتحاد الأوروبي مليار يورو جديدة لمصر، الجدل حول مسار السياسة الاقتصادية التي اختارتها السلطة: الاعتماد المتزايد على القروض والمساعدات الخارجية لسد فجوات التمويل، مقابل التزامات طويلة الأجل تمس السياسات والقرار الاقتصادي لعقود قادمة.
المليار الأخيرة تمثل شريحة من حزمة دعم مالي كلي (Macro-Financial Assistance) بقيمة 5 مليارات يورو ضمن «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» بين مصر والاتحاد الأوروبي، بعد توقيع اتفاق دعم بـ 7.4 مليارات يورو للفترة من 2024 إلى 2027، أغلبها قروض ميسرة لا منح مجانية.
وبحسب بيان المفوضية الأوروبية ووكالات الأنباء، هذه المليار هي الشريحة الثانية من الـ5 مليارات، بعد شريحة سابقة جرى صرفها فى 2025، على أن تُستكمل باقي المبالغ حتى 2027، بالتوازي مع برنامج صندوق النقد الدولي وحزم تمويل أخرى تستهدف سد فجوة التمويل الخارجي.
دعم مشروط.. لا منح بلا مقابل
الخطاب الرسمى يقدّم المليار يورو على أنها «دعم للموازنة» يعزز الاستقرار الاقتصادي، لكن وثائق الاتحاد الأوروبي نفسها تؤكد أن هذه الأموال مرتبطة بحزمة شروط محددة فى السياسات المالية، وتوسيع الخصخصة، وإعادة ترتيب أدوار الدولة فى الاقتصاد، وملف الدعم والحماية الاجتماعية، فضلًا عن التعاون الأمني والهجرة.
المشاط تحدثت عن تنفيذ 38 إجراءً اقتصاديًا وهيكليًا للحصول على هذه الشريحة؛ ما يعنى أن كل مليار يورو يسبقه مسار من التشريعات والقرارات، غالبًا ما تُصاغ تحت لافتة «الإصلاح» لكنها تصبّ فى النهاية لصالح طمأنة الدائنين والشركاء أكثر مما تخفف معاناة المواطن.
الخبير الاقتصادي رشاد عبده يلخص هذه النقطة كثيرًا بجملة واحدة: «الاتحاد الأوروبي لا يمنح أموالًا دون مقابل»؛ فكل دفعة ترتبط بتحقيق «معالم» متفق عليها سلفًا، تخدم مصالح أوروبية واضحة:
- ضبط ملف الهجرة غير النظامية عبر المتوسط.
- تأمين حدود الجنوب والشرق للأوروبيين.
- فتح قطاعات إضافية أمام الاستثمار الأجنبي والخصخصة.
منظمات مثل «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» حذّرت من أن القروض الأوروبية الجديدة «تسير على خطى صندوق النقد» من حيث الاشتراطات القاسية، مع تركيز كبير على ضمان سداد الديون وحماية الاستقرار المالي على حساب العدالة الاجتماعية وحقوق الفئات الأضعف.
بين الحاجة والارتهان.. المساعدات كأداة سياسية
لا يمكن فصل تدفق المليارات الأوروبية عن السياق الجيوسياسي:
- قلق أوروبي من موجات هجرة جديدة عبر مصر وليبيا.
- حرب غزة وتوتر شرق المتوسط.
- صراع على النفوذ فى البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
الاتحاد الأوروبي نفسه يصرّح بأن هدف الحزمة هو دعم الاستقرار الاقتصادي المصري ومنع أزمات هجرة جديدة؛ أى أن مصر تُعامل عمليًا كـ«خط دفاع أول» عن الحدود الأوروبية الجنوبية، مقابل قروض و"دعم" مالى مشروط.
الدكتور حسن نافعة يذكّر دائمًا بأن المساعدات الاقتصادية «أداة سياسية بامتياز»، وأن الدول الكبرى لا تدفع مليارات من أجل عيون الشعوب، بل لشراء مواقف وسلوكيات من الأنظمة: فى التصويت الدولي، فى ملفات الأمن والهجرة، فى شكل إدارة الحدود، بل وأحيانًا فى طريقة التعامل مع المعارضة والمجتمع المدنى.
الخطورة – كما يقول – ليست فى تلقى الدعم ذاته، بل فى تحوّله إلى بديل دائم عن الإصلاح الحقيقي:
- بدل إصلاح نموذج التنمية، تُراهن السلطة على دفعات دورية من الخارج.
- بدل بناء قاعدة إنتاج وتصدير، يُعاد تدوير القروض لسداد قروض أقدم وخدمة دين متضخم.
وبالتدريج، يتحول «الدعم» إلى أداة ارتهان تجعل أى خروج عن الخط المرسوم أوروبيًا مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا.
ديون عابرة للأجيال وإصلاحات بلا ثمار على المائدة
فى الأرقام، تبدو الصورة أكثر قسوة:
- الدين الخارجى لمصر وصل إلى حوالى 161.2 مليار دولار فى يونيو 2025، بزيادة أكثر من 8 مليارات دولار فى عام واحد.
- نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلى الإجمالى تجاوزت 44% فى 2025 بعد أن كانت أقل بكثير قبل سنوات قليلة، وفق بيانات رسمية للبنك المركزى.
هذه الأرقام تعنى ببساطة أن كل يورو يدخل اليوم سيخرج غدًا مضافًا إليه الفوائد، من جيوب دافعى الضرائب أو من خلال:
- مزيد من تقليص الإنفاق الاجتماعى.
- رفع أسعار الخدمات العامة.
- بيع أصول الدولة وخصخصة قطاعات جديدة.
الدكتور فخرى الفقى نفسه، وهو قريب من دوائر صنع القرار، أقرّ أكثر من مرة بأن أى تمويل خارجى سينعكس مستقبلًا على شكل ضرائب أو تقليص فى بنود الدعم، وأن الأجيال القادمة ستدفع ثمن قرارات لم تُستشر فيها.
فى المقابل، المواطن العادى لا يرى من هذه المليارات إلا:
- تضخمًا مرتفعًا أكل الأجور والمدخرات، حتى بعد تراجع نسبي فى المؤشرات الرسمية.
- موجات غلاء متتابعة فى الغذاء والخدمات والطاقة.
- استمرار الفقر وتدهور مستوى التعليم والصحة.
ورغم حديث الحكومة عن تنفيذ عشرات «الإجراءات الهيكلية»، فإن نوعية هذه الإجراءات – من تعويم وضرائب غير مباشرة وتقليص دعم – تجعل أثرها على المعيشة سلبيًا فى المدى القصير والمتوسط، بينما تبقى وعود «الثمار المستقبلية» معلّقة على شماعة الاستثمار الأجنبى وتحسّن مزاج الأسواق.
ما بين الحاجة الملحّة للتمويل لتفادى الانهيار، والخطر المتزايد لتحويل مصر إلى اقتصاد يعيش على أجهزة الإنعاش الخارجية، يقف السؤال الحقيقى:
هل ستظل كل أزمة تُعالَج بمليار جديد يضاف إلى الجبل، أم أن اللحظة تقتضى تغييرًا جذريًا فى نموذج إدارة الاقتصاد، قبل أن تتحول هذه المليارات من «شبكة أمان» إلى حبل يلتف ببطء حول رقبة الحاضر والمستقبل معًا؟

