كشفت وزارة الصحة اللبنانية عن حصيلة بشرية ثقيلة للعدوان الإسرائيلي، بلغت 8953 قتيلاً و30649 جريحاً منذ 8 أكتوبر 2023، في كارثة إنسانية تتسع تداعياتها لتطال مختلف جوانب الحياة اللبنانية.
وأعلنت الحكومة اللبنانية أن الخسائر المادية تقترب من 27 مليار دولار، بينما تتكشف أبعاد دمار واسع أصاب المساكن والأراضي الزراعية والأنشطة الاقتصادية، ليجد اللبنانيون أنفسهم أمام حرب تستنزف الأرواح ومقومات البقاء.
حصيلة دامية ودمار يبتلع المدن
وبحسب الإحصائية الرسمية، سقط 4386 قتيلاً وأصيب 12413 آخرون منذ 2 مارس 2026، ما يعكس ضخامة الخسائر البشرية خلال المرحلة الأخيرة من العدوان الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية.
وتكشف هذه الأرقام عن مأساة تتجاوز الإحصاءات اليومية، بعدما فقدت آلاف العائلات أفراداً من أسرها، بينما يواجه المصابون تحديات العلاج والتأهيل وسط الضغوط المتزايدة على المنظومة الصحية اللبنانية.
وفي موازاة الخسائر البشرية، خلّف القصف الإسرائيلي دماراً واسعاً في المناطق السكنية، وحوّل أحياء وقرى إلى مساحات من الركام، لتصبح العودة إلى المنازل بالنسبة لآلاف اللبنانيين حلماً بعيد المنال.
وأوضح الباحث اللبناني المتخصص في الإحصاء محمد شمس الدين أن 97 ألف وحدة سكنية تعرضت للتدمير الكامل، بينما أصيب نحو 65 ألفاً بأضرار جزئية، في واحدة من أكبر موجات الدمار السكني.
وأضاف أن نحو 320 ألف وحدة سكنية أخرى تعرضت لأضرار طفيفة، ما يرفع حجم الكارثة العمرانية ويضع مئات الآلاف من الأسر أمام أعباء الإصلاح وإعادة البناء.
ولا تقتصر تداعيات التدمير على فقدان المأوى، إذ ترتبط المنازل المهدمة بمصادر الرزق والاستقرار الاجتماعي، بينما يضاعف النزوح تكاليف المعيشة ويضع ضغوطاً إضافية على المجتمعات المستضيفة.
وعلى الصعيد الزراعي، بلغت خسائر القطاع نحو 530.5 مليون دولار، وفق تقييم مشترك أجرته وزارة الزراعة اللبنانية والمجلس الوطني للبحوث العلمية ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.
وبحسب وزارة الزراعة، طالت الأضرار نحو 22.5% من الأراضي الزراعية اللبنانية، ما يمثل ضربة قاسية للإنتاج المحلي ويهدد مصادر دخل المزارعين في المناطق المتضررة من العمليات العسكرية.
وتعني هذه الخسائر أن إعادة الحياة إلى الريف اللبناني لن تتحقق بمجرد توقف القصف، بل تحتاج إلى استصلاح الأراضي وإصلاح البنية الزراعية واستعادة شبكات الري والإنتاج.
النزوح والخراب يبددان فرص التعافي
وكشف رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن كلفة العدوانين الإسرائيليين تجاوزت 20 مليار دولار، مع احتمال ارتفاع إجمالي الخسائر إلى أكثر من 27 ملياراً عند اكتمال احتساب الأضرار.
وأوضح سلام أن أكثر من مليون شخص اضطروا إلى النزوح خلال ذروة الحرب الأخيرة، بينما ظل نحو 250 ألفاً بعيدين عن منازلهم، في مشهد يكشف عمق الأزمة الإنسانية.
وأضاف أن سكان أكثر من 75 قرية ومدينة لا يزالون عاجزين عن العودة إلى منازلهم ومصادر رزقهم، بعدما ترك العدوان مناطق واسعة تفتقر إلى مقومات الحياة الطبيعية.
وفي بلد يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة، تمثل هذه الأعداد ضغطاً هائلاً على الخدمات العامة والإسكان والمرافق، وتزيد صعوبة استعادة الاستقرار في المناطق المنكوبة.
وتأتي الكارثة بينما لم يتعاف لبنان من الانهيار المالي الذي ضرب البلاد عام 2019، وأدى إلى تدهور مستوى المعيشة وانهيار الثقة بالمؤسسات المالية وتعطل قطاعات اقتصادية واسعة.
وكان البنك الدولي قد صنّف الأزمة اللبنانية ضمن أسوأ ثلاث أزمات اقتصادية عالمية، في ظل انهيار النظام المالي وتراجع الخدمات الأساسية وتفاقم مشكلات الطاقة والقدرة الشرائية.
وبدلاً من استكمال الإصلاحات الاقتصادية والمالية، وجد لبنان نفسه أمام دمار جديد يلتهم الموارد المحدودة ويضاعف الاحتياجات التمويلية، بينما تتراجع قدرة المؤسسات على معالجة الأزمات القديمة.
وتكشف هذه التطورات أن العدوان الإسرائيلي لم يستهدف قدرة لبنان على التعافي بصورة غير مباشرة فحسب، بل خلّف أضراراً واسعة في البنية الاقتصادية التي يقوم عليها الإنتاج والاستثمار والتشغيل.
ومع استمرار عجز النازحين عن العودة، تتزايد خسائر الأعمال الصغيرة والأنشطة المحلية، خصوصاً في المناطق الجنوبية والبقاعية، حيث ترتبط معيشة آلاف الأسر بالزراعة والتجارة والخدمات.
الاقتصاد اللبناني يخسر معركة التعافي
وأكد الصحافي المتخصص في الشأن الاقتصادي خالد أبو شقرا أن الحرب أفقدت لبنان فرصة ثمينة لبدء التعافي الاقتصادي والمالي، بعدما بدأت تظهر مؤشرات محدودة على إمكانية تجاوز سنوات الانهيار.
وأوضح أن الناتج المحلي الإجمالي كان يقدّر بنحو 32 مليار دولار سنوياً قبل الحرب، بينما كانت التوقعات تشير إلى إمكانية ارتفاعه إلى نحو 38 مليار دولار.
لكن الحرب قلبت هذه التوقعات، إذ أشار أبو شقرا إلى انكماش اقتصادي بنحو 8%، مع تراجع تقديرات الناتج المحلي إلى 28 مليار دولار، ما يعكس عمق التدهور.
ولم تتوقف الخسائر عند تراجع الإنتاج، بل امتدت إلى مصادر العملات الأجنبية التي يعتمد عليها لبنان، خصوصاً السياحة وتحويلات المغتربين والاستثمارات القادمة من الخارج.
وفي القطاع السياحي، توقع أبو شقرا انخفاض العائدات خلال 2026 إلى أقل من 4 مليارات دولار، بعدما كانت التقديرات تشير إلى إمكانية بلوغها نحو 11 ملياراً في ظروف الاستقرار.
ويعني ذلك ضياع إيرادات سياحية محتملة تتجاوز 7 مليارات دولار، وهي أموال كان يمكن أن تدعم الأسواق المحلية وتوفر فرص العمل وتنعش قطاعات الفنادق والمطاعم والنقل.
كما خسر لبنان، وفق تقديرات أبو شقرا، ما بين 5% و10% من التدفقات النقدية القادمة من المغتربين، إلى جانب ضياع فرص للاستثمار الأجنبي المباشر.
وتفاقمت الأزمة مع خروج نحو ثلث الاقتصاد عن العمل، نتيجة تركز العمليات العسكرية في الجنوب والبقاع، وهما منطقتان تضمان أنشطة إنتاجية وزراعية وتجارية مهمة.
وفي ظل هذا التراجع، ارتفع التضخم من 11.5% خلال 2025 إلى نحو 17% خلال 2026، ما أضاف أعباء جديدة على الأسر التي تعاني أصلاً من تآكل الدخول.
وحذر أبو شقرا من احتمالات استمرار ارتفاع الأسعار نتيجة الضغوط العالمية وزيادة تكاليف النقل، فضلاً عن تعثر الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة بسبب الظروف التي فرضتها الحرب.
وتنعكس هذه التطورات على الحياة اليومية، إذ تواجه الأسر اللبنانية ارتفاعاً في تكاليف الغذاء والسكن والتنقل، بالتزامن مع تقلص فرص العمل وتراجع قدرة النشاط الاقتصادي على استيعاب المتضررين.
أما أزمة أموال المودعين المحتجزة في المصارف، فتظل من أعقد الملفات الاقتصادية، بعدما أدت الحرب إلى تعطيل فرص التقدم نحو حلول مالية تعالج تداعيات الانهيار المصرفي.
كذلك تراجعت فرص استكمال المفاوضات والإصلاحات المرتبطة بصندوق النقد الدولي، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى إعادة بناء الثقة بالقطاع المالي وتوفير موارد ضخمة لإعادة الإعمار.
ولا تنحصر تكلفة إعادة الإعمار في ترميم المباني المهدمة، إذ تشمل إصلاح الطرق والمرافق وشبكات الخدمات والأراضي الزراعية، بالإضافة إلى استعادة الأنشطة الاقتصادية التي توقفت بفعل العمليات العسكرية.
وتكشف المقارنة بين خسائر تقترب من 27 مليار دولار وناتج محلي يقدّر بنحو 28 ملياراً حجم العبء الذي يواجهه لبنان، حيث تقترب تقديرات الدمار من قيمة إنتاج الاقتصاد خلال عام كامل.
وفي المحصلة، ترك العدوان الإسرائيلي لبنان أمام خسائر بشرية لا يمكن تعويضها ودمار اقتصادي يحتاج إلى سنوات لمعالجته، بينما تتحمل الأسر المتضررة الثمن الأكبر من النزوح وفقدان الدخل والممتلكات.
وهكذا، لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كارثة أطاحت بفرص التعافي وأعادت الاقتصاد اللبناني إلى دائرة الانكماش، ليصبح وقف الدمار وإعادة الإعمار شرطين أساسيين لإنقاذ البلاد من انهيار أعمق.

