كشف مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 تراجع تونس إلى المرتبة 137 من أصل 180 دولة، وسط تصاعد المخاوف من الملاحقات القضائية والقيود المفروضة على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.

 

وحذرت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين من تدهور الحريات الإعلامية وتآكل الضمانات المهنية، مؤكدة أن الضغوط السياسية والاقتصادية والتشريعات المقيدة تهدد المكاسب التي حققها التونسيون عقب ثورة يناير 2011.

 

 

تشريعات قمعية وملاحقات تطارد الصحفيين

 

وأكدت النقابة أن المشهد الإعلامي يشهد تراجعًا في استقلالية المؤسسات، مع استمرار إحالة صحفيين إلى القضاء بسبب أعمالهم المهنية، في ظل تشريعات تثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل حرية التعبير.

 

وأوضحت أن المرسوم رقم 54، المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، أصبح محورًا رئيسيًا للخلاف بين السلطات والهياكل المهنية، بسبب استخدامه في ملاحقات مرتبطة بالنشر والتعبير.

 

وفي المقابل، تتمسك النقابة بالمرسوم رقم 115 لسنة 2011 باعتباره الإطار القانوني المنظم للصحافة، مطالبة بوقف إحالة الصحفيين وفق تشريعات استثنائية أو نصوص جزائية عامة في قضايا النشر.

 

كما تعتبر النقابة أن التوسع في الملاحقات القضائية يضع الصحفي أمام معادلة قاسية، إذ يصبح مطالبًا بكشف المعلومات ومساءلة المسؤولين، بينما يواجه احتمالات المحاكمة بسبب ممارسته لعمله.

 

وتشير التحذيرات المهنية إلى انتشار الرقابة الذاتية داخل بعض المؤسسات الإعلامية، نتيجة المخاوف من العواقب القانونية والمهنية، بما يهدد قدرة الصحافة على تناول الملفات السياسية والاقتصادية الحساسة.

 

وتزداد خطورة الوضع مع تسجيل النقابة 154 اعتداء على صحفيين خلال الفترة من أبريل 2025 إلى أبريل 2026، رغم انخفاض العدد مقارنة بالفترات السابقة، دون اعتبار ذلك دليلًا قاطعًا على التحسن.

 

وفي سبتمبر 2026، أثارت محاكمة الصحفي زياد الهاني اعتراضات نقابية، بعدما أكدت النقابة ارتباط القضية بمحاولته التحقق من معلومات متداولة، محذرة من المساس بسرية المصادر الصحفية.

 

كما أدانت النقابة واقعة احتجاز فريق صحفي من موقع «نواة» خلال سبتمبر، استنادًا إلى إفادات أعضائه، وطالبت بفتح تحقيق في ملابسات الواقعة وتحديد المسؤوليات القانونية.

 

ولا تنفصل هذه الوقائع عن المخاوف الأوسع المتعلقة بحرية العمل الصحفي، إذ تؤكد الهياكل المهنية أن حماية الصحفيين ليست امتيازًا شخصيًا، وإنما ضمانة ضرورية لحق المجتمع في معرفة الحقيقة.

 

وتطرح الأزمة تساؤلات جدية بشأن مستقبل التعددية الإعلامية، في ظل استمرار الخلاف حول التشريعات المنظمة للمهنة، وحدود المساءلة القانونية، ومدى احترام الضمانات الدستورية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير.

 

 

أزمات اقتصادية وتدخلات تهدد استقلال الإعلام

 

وتواجه المؤسسات الإعلامية الخاصة والجمعياتية ضغوطًا مالية متزايدة، نتيجة تراجع الموارد الإعلانية وصعوبة توفير تمويل مستقر، الأمر الذي يهدد استمرارية بعض المؤسسات ويضاعف هشاشة العاملين فيها.

 

كما أدى تدهور الأوضاع الاقتصادية داخل القطاع إلى إغلاق مؤسسات وتسريح عاملين وتأخر صرف أجور ومستحقات، وفق تقارير النقابة، ما جعل الاستقرار الوظيفي تحديًا يوميًا أمام صحفيين كثيرين.

 

وفي ظل هذه الأزمة، تتزايد المخاوف من تأثير الاعتماد على المعلنين وأصحاب المصالح الاقتصادية في استقلالية المحتوى، خصوصًا عندما تضعف الموارد المالية اللازمة لإنتاج صحافة مهنية مستقلة.

 

ولا يقل وضع الإعلام العمومي تعقيدًا، بعدما رصدت النقابة تدخلات في السياسات التحريرية وتوجيهات إدارية تؤثر في استقلالية غرف الأخبار، وسط مطالبات بضمان استقلال المؤسسات عن الضغوط السياسية.

 

وتكشف هذه الممارسات، بحسب التقييم النقابي، عن أزمة تتجاوز التمويل والإدارة، وتمتد إلى قدرة الصحفيين على اختيار موضوعاتهم ومصادرهم ونشر المعلومات دون تدخلات تحدد مسبقًا حدود التغطية الإعلامية.

 

كما يواجه الصحفيون صعوبات مرتبطة بالحصول على المعلومات والتصاريح اللازمة للتغطيات، وهو ما دفع النقابة للمطالبة بإلغاء القيود الإدارية وضمان المساواة بين المؤسسات الإعلامية في الوصول إلى المعلومات.

 

وفي الوقت نفسه، تحذر الهياكل المهنية من العنف الرقمي والتحريض ضد الصحفيين عبر منصات التواصل الاجتماعي، وما يترتب عليه من تهديدات وضغوط نفسية ومهنية تعرقل ممارسة العمل الإعلامي.

 

وتتعرض الصحفيات بصورة خاصة لأشكال من المضايقات الرقمية المرتبطة بالنوع الاجتماعي، تشمل حملات التشهير والإساءة والتحريض، ما يستدعي آليات حماية ومساءلة تمنع تحول المنصات الإلكترونية إلى أدوات للترهيب.

 

وبين الضغوط المالية والتدخلات التحريرية والملاحقات القضائية، تجد المؤسسات الإعلامية نفسها أمام تحديات متشابكة، تجعل الحفاظ على استقلالية القرار الصحفي أكثر صعوبة، وتؤثر في جودة المعلومات المقدمة للجمهور.

 

وتبقى الأزمة الأخطر في انعكاس هذه الظروف على حق المواطنين في المعرفة، لأن إضعاف المؤسسات المستقلة يحد من تنوع المصادر، ويقلص المساحة المتاحة لمناقشة القرارات الحكومية والقضايا العامة.

 

 

معركة الحريات تتصاعد ومطالب بالمحاسبة

 

وطالبت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين بتوحيد الصف المهني لمواجهة التحديات المتراكمة، مؤكدة أن الدفاع عن حرية الإعلام يتطلب تضامنًا يتجاوز الخلافات الداخلية والضغوط التي تواجه المؤسسات والعاملين.

 

كما شددت على ضرورة مراجعة التشريعات المقيدة للحريات، وفي مقدمتها المرسوم رقم 54، وضمان عدم فرض عقوبات سالبة للحرية بسبب العمل الصحفي والتعبير عن الرأي.

 

وفي السياق نفسه، طالبت النقابة باحترام ضمانات المحاكمة العادلة، وحماية المصادر الصحفية، ومنع استخدام الإجراءات القضائية بصورة تمس الحقوق المهنية المكفولة للصحفيين بموجب التشريعات المنظمة للقطاع.

 

وأكدت أهمية استقلال المؤسسات الإعلامية العمومية عن التدخلات السياسية والإدارية، وتفعيل مجالس التحرير، ووضع قواعد واضحة تمنع الرقابة المسبقة وتضمن حق الصحفيين في ممارسة مهامهم دون ضغوط.

 

كما دعت إلى توفير حماية فعلية للصحفيين أثناء التغطيات الميدانية، والتحقيق في الاعتداءات المبلغ عنها، وضمان عدم إفلات المسؤولين عن أي تجاوزات مثبتة من المساءلة القانونية.

 

وفي مواجهة الأزمات الاقتصادية، تبرز ضرورة معالجة أوضاع العاملين بالمؤسسات المتعثرة، وضمان صرف مستحقاتهم، والتصدي للتشغيل الهش، حتى لا تتحول الضغوط المعيشية إلى وسيلة إضافية لإضعاف الاستقلال المهني.

 

وتؤكد التطورات المتلاحقة أن أزمة الصحافة التونسية لم تعد مقتصرة على أوضاع العاملين بالقطاع، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل المجال العام وقدرة المجتمع على مراقبة السلطة ومناقشة سياساتها.

 

وفي ظل هذا الواقع، تظل المطالب النقابية بإصلاح التشريعات وضمان استقلال الإعلام اختبارًا لمدى قدرة المؤسسات التونسية على حماية الحقوق والحريات، والاستجابة للتحذيرات المتكررة من استمرار التراجع.

 

وتبقى المفارقة أن تونس التي شهدت تحولات سياسية كبرى بعد ثورة يناير 2011 تواجه اليوم تساؤلات متجددة بشأن مستقبل الحريات التي كانت من أبرز مطالب تلك المرحلة التاريخية.

 

وفي النهاية، لا يمكن بناء إعلام مستقل بمجرد الاعتراف النظري بحرية التعبير، وإنما بتوفير ضمانات قانونية ومهنية حقيقية تحمي الصحفيين، وتمنع التدخلات غير المشروعة، وتكفل للمواطنين حق الوصول إلى المعلومات.

 

فحرية الصحافة ليست قضية نقابية معزولة، بل معيار لمدى احترام الحقوق العامة، واستمرار تآكل ضماناتها يفرض تساؤلات حاسمة بشأن مستقبل الرقابة المجتمعية والمساءلة والشفافية في تونس.