رفضت رابطة علماء اليمن الاتهامات السعودية بشأن استهداف الحوثيين مكة المكرمة ومحطة كهرباء في المدينة المنورة، معتبرة أن هذه الروايات تستهدف التحريض على الشعب اليمني وتوظيف قدسية الأماكن الدينية في الصراع.
وحذر المشاركون في مؤتمر لعلماء اليمن بصنعاء، في بيان صدر الجمعة، من إضفاء طابع مذهبي وطائفي على المواجهة، بالتزامن مع تصعيد عسكري تتداخل فيه الغارات والهجمات الصاروخية مع تدهور الأوضاع الإنسانية.
رفض اتهامات استهداف الأماكن المقدسة
ففي بيان المؤتمر، وصف العلماء الاتهامات المتعلقة باستهداف مكة المكرمة بأنها باطلة ولا أساس لها من الصحة، مؤكدين رفضهم استخدام هذه الرواية لحشد المسلمين ضد اليمن وربط شعبه بصراعات مذهبية وطائفية.
واعتبر المشاركون أن الحديث عن استهداف الأماكن المقدسة يسعى إلى تشويه صورة الشعب اليمني، وصرف الأنظار عما وصفوه بالعدوان والحصار المفروضين عليه، في اتهام مباشر للرياض باستخدام الملف الديني سياسيًا.
كما وجه البيان اتهامات إلى السعودية بمحاولة استغلال مكانة مكة والمدينة المنورة لدى المسلمين، محذرًا من تحويل هذه المكانة إلى أداة للتحريض وتبرير استمرار المواجهة، بدل إبقائها خارج الحسابات السياسية والعسكرية.
وفي هذا الإطار، دعا العلماء وسائل الإعلام إلى عدم الترويج للرواية السعودية، انطلاقًا من موقفهم الرافض لها، معتبرين أن تداول الاتهامات يسهم في ترسيخ صورة مضللة عن اليمن ومواقفه لدى المسلمين.
وجاء البيان امتدادًا لموقف سابق صدر في الأول من أكتوبر، رد فيه العلماء على اتهام الرياض للحوثيين باستهداف محطة كهرباء في المدينة المنورة، ووصفوا تلك الرواية بأنها جزء من «مسلسل الأكاذيب».
وبذلك، شمل رفض العلماء واقعتين مختلفتين في الاتهامات المنقولة؛ الأولى تتعلق بمكة المكرمة، والثانية بمحطة كهرباء في المدينة المنورة، بينما جمع البيان بينهما ضمن اتهامه للرياض بتوظيف المقدسات في المواجهة.
وفي المقابل، لا تتضمن المعلومات الواردة تفاصيل الأدلة التي استندت إليها الاتهامات السعودية، كما لا تقدم تحققًا مستقلًا من الوقائع محل الخلاف، ما يبقي النفي والاتهام منسوبين إلى أصحابهما.
ومع تكرار البيانات، يتضح أن الخلاف يتجاوز نفي استهداف مواقع بعينها إلى مواجهة بشأن تفسير أهداف التصعيد، إذ يرى علماء صنعاء أن اتهامات المساس بالمقدسات تستهدف تعبئة الرأي العام ضد اليمن.
فلسطين حاضرة في خطاب العلماء
وفي جانب آخر من البيان، جدد العلماء موقفهم الداعم لفلسطين والمسجد الأقصى، وربطوا بين استمرار هذا الموقف وتكرار الاتهامات السعودية، معتبرين أن التحريض على اليمن يستهدف أيضًا موقفه المساند لغزة.
كما دعا البيان علماء الأمة إلى رفض ما وصفه بالبهتان، والوقوف في وجه محاولات التحريض على الشعب اليمني، في مسعى لحشد موقف ديني مضاد للرواية التي يتهم العلماء الرياض بترويجها.
وبالتوازي، انتقد المشاركون علاقات السعودية بالولايات المتحدة وإسرائيل، وأشاروا إلى فتح الأجواء السعودية أمام الطيران الإسرائيلي، مستحضرين هذه القضايا ضمن اتهامهم للرياض بالتناقض بين خطاب حماية المقدسات وخياراتها السياسية.
غير أن هذه الإشارات تظل جزءًا من مضمون البيان وموقف أصحابه، ولا تقدم بذاتها دليلًا على تفاصيل الهجمات المختلف بشأنها، التي تبقى بحاجة إلى معلومات مستقلة تتجاوز الخطابات المتبادلة بين الأطراف.
وعلى المستوى العسكري، دعا العلماء إلى مواصلة تطوير القدرات والتصنيع الحربي في اليمن، وأشادوا بما وصفوه بإنجازات القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر والدفاع الجوي والقوات البحرية، ضمن موقفهم المؤيد لاستمرار المواجهة.
ويجمع هذا الخطاب بين رفض اتهامات استهداف المقدسات وتأييد تعزيز القوة العسكرية، إذ يقدم المشاركون القدرات القتالية بوصفها جزءًا من موقفهم الدفاعي، بالتوازي مع تأكيد استمرار دعم فلسطين والمسجد الأقصى.
وفي المحصلة، يعرض البيان تفسيرًا سياسيًا ودينيًا للتصعيد، يربط بين الحرب على اليمن والموقف من غزة، ويحمل السعودية مسؤولية توظيف اتهامات استهداف الأماكن المقدسة لتوسيع دائرة الخصومة مع الشعب اليمني.
تصعيد عسكري يفاقم معاناة السكان
وميدانيًا، تزامنت هذه المواقف مع إعلان الجيش اليمني التابع للحكومة المعترف بها دوليًا تنفيذ ضربات ضد الحوثيين في صنعاء وصعدة، في وقت مبكر من الأحد، مستهدفًا ما وصفه بأهداف حيوية.
وفي المقابل، اتهمت جماعة أنصار الله السعودية بشن هجمات على صنعاء، بعدما تحدثت السبت عن 26 غارة على العاصمة، بينما أعلن الجيش اليمني تنفيذ عملية ضد أهداف وصفها بالعسكرية والحيوية والمشروعة.
كما أعلنت الجماعة مساء السبت استهداف منشأة لأرامكو في الرياض بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة، وقال متحدثها العسكري يحيى سريع إن الضربات كانت مباشرة وتسببت في حرائق بالمواقع المستهدفة، وفق روايته.
وبالتزامن، وردت تقارير عن حريق في مصفاة الرياض وتحرك فرق الإطفاء والإسعاف قرب المنشأة، دون تأكيد مستقل يربط الحريق بالهجوم المعلن، ودون تعليق سعودي فوري في المعلومات المتاحة عن الواقعة.
وعلى الجانب السعودي، أعلن الدفاع المدني إصابة شخص بشظايا صاروخ جرى اعتراضه في محافظة أحد رفيدة بمنطقة عسير، بعد إعلان سابق عن أضرار بمدرسة في نجران جراء مقذوف نُسب إلى الحوثيين.
وفي تعز، تواصلت المعارك بين الحوثيين والقوات الحكومية، وسط اتهامات متبادلة بشأن استهداف المنشآت المدنية وطرق النقل، فيما حذر برنامج الأغذية العالمي من عجز ثلاثة أرباع السكان عن تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية.
وبالتوازي مع القتال، تحدث وزير الخارجية الباكستاني إسحق دار عن مقترح إيراني للانخراط السياسي مع الحوثيين، موضحًا أنه لا يزال في مرحلة تبادل الأفكار، وسيُناقش باعتباره بديلًا عن العمل العسكري.
وأمام هذا المشهد، يضيف الخلاف بشأن مكة والمدينة بعدًا دينيًا إلى مواجهة عسكرية متصاعدة، بينما تتفاقم معاناة السكان بين الهجمات والحرمان الغذائي، وتظل حماية المدنيين ووقف التدهور الإنساني مطلبين لا تحتملهما المساومات.

