في ظل تزايد المخاوف من تأثير الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي على الأطفال، ظهرت توجهات جديدة تسعى إلى الاستفادة من التكنولوجيا دون تعريض الصغار لمخاطر الاستخدام المفرط للشاشات أو الوقوع في فخ الإدمان الرقمي.
ومن بين هذه المحاولات، هاتف جديد يحمل اسم «فريكل» (Freckle)، يستهدف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و13 عاماً، ويقدم تجربة مختلفة تعتمد على التواصل المحدود، وتشجيع الأنشطة الخارجية، وتنمية استقلالية الطفل بعيداً عن التطبيقات والمنصات الرقمية التقليدية.
ويقف وراء المشروع سام تيريس، رائد الأعمال الذي شارك في تأسيس العلامة التجارية «Nuggs» المتخصصة في إنتاج قطع الدجاج النباتية، والذي يرى أن المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، وإنما في الطريقة التي تُصمم بها بعض التطبيقات والهواتف لجذب انتباه المستخدمين وإبقائهم أمام الشاشات لأطول فترة ممكنة.
هاتف بتصميم مختلف للأطفال
يرى تيريس أن وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية الحديثة تعتمد على أساليب تجعل المستخدمين أكثر ارتباطاً بها، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن تأثيرها على الأطفال، خاصة في مراحل تكوين الشخصية واكتساب المهارات الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، جاءت فكرة تطوير هاتف «فريكل»، الذي يسعى إلى تقديم وسيلة تكنولوجية تساعد الأطفال على التواصل مع الآخرين، وتعزز قدرتهم على الاعتماد على أنفسهم، مع منح الآباء مساحة أكبر لمتابعة أبنائهم والاطمئنان عليهم.
ويبلغ سعر الهاتف 199 دولاراً، بالإضافة إلى اشتراك شهري في خدمة الاتصال اللاسلكي بقيمة 25 دولاراً، وهو مخصص للفئة العمرية من 7 إلى 13 عاماً.
ولا يعتمد الجهاز على فكرة الهاتف الذكي التقليدي، إذ جرى تصميمه ليقدم مجموعة محدودة من الوظائف التي يحتاج إليها الطفل، دون إتاحة الوصول إلى مصادر المحتوى الرقمي التي قد تجعله يقضي ساعات طويلة أمام الشاشة.
قيود على الإنترنت والتطبيقات
من أبرز الاختلافات في هاتف «فريكل» أنه لا يتضمن متصفحاً للإنترنت أو متجراً للتطبيقات، كما يخلو من منصات التواصل الاجتماعي وخدمة «يوتيوب»، بما يمنع الطفل من الانشغال بالمحتوى المفتوح أو الانتقال بين التطبيقات المختلفة.
ويقتصر التواصل من خلال المكالمات والرسائل النصية على قائمة جهات الاتصال التي يحددها الوالدان ويوافقان عليها مسبقاً، وهو ما يوفر قدراً أكبر من التحكم في الأشخاص الذين يستطيع الطفل التواصل معهم.
ولم يغفل تصميم الهاتف جانب الأمان، إذ يتضمن تقنية لتحديد موقع الطفل، تسمح للوالدين بمتابعته عبر الخريطة، إلى جانب إمكانية إنشاء مناطق آمنة محددة مسبقاً، يحصل الأب أو الأم على تنبيه فوري إذا غادر الطفل حدودها.
ويشير تيريس إلى أن الجهاز يمنح الآباء حرية اختيار مستوى المتابعة المناسب لهم، سواء من خلال مراقبة تحركات أبنائهم باستمرار أو الاكتفاء باستقبال الإشعارات عند خروجهم من المناطق المحددة.
ويمكن حالياً طلب الهاتف بصورة مسبقة، على أن تبدأ عمليات الشحن في ديسمبر المقبل، وفقاً للمعلومات المعلنة عن الجهاز.
تصميم يجذب انتباه الصغار
رغم أن الهاتف يستهدف بالأساس الحد من مخاوف الآباء بشأن استخدام التكنولوجيا، فإن الشركة حرصت على ألا يبدو الجهاز وكأنه وسيلة رقابة فقط، بل جرى تصميمه ليكون جذاباً وممتعاً للأطفال أيضاً.
ويتميز «فريكل» بملمس ناعم وألوان زاهية وأزرار بارزة يمكن تمييزها باللمس، فضلاً عن شاشة مربعة صغيرة تعمل باللمس، في تصميم يبتعد عن الهواتف الذكية التقليدية ذات الشاشات الكبيرة والإمكانات المتعددة.
ويضم الجهاز خاصية تحمل اسم «كاميرا الاستكشاف» (Discovery Camera)، تتيح للأطفال تصوير العناصر الموجودة في الطبيعة، والتعرف على أنواع مختلفة من الحشرات والطيور والنباتات، ثم إضافتها إلى ألبوم رقمي يضم ملصقات خاصة بكل عنصر يتم اكتشافه.
ويشبه تيريس هذه التجربة بلعبة «بوكيمون غو» (Pokémon Go)، لكن مع اختلاف أساسي يتمثل في أن الطفل لا يحتاج إلى الانغماس داخل عالم افتراضي، وإنما يستخدم الهاتف لاكتشاف الأشياء الموجودة حوله في العالم الحقيقي.
مهام تشجع الأطفال على الحركة
لا تتوقف إمكانات الهاتف عند التصوير والتعرف على الكائنات الطبيعية، إذ يتضمن مجموعة من الخصائص التي تستهدف تشجيع الأطفال على الحركة والتفاعل مع البيئة المحيطة، بدلاً من الاكتفاء باستخدام الجهاز داخل المنزل.
ومن بين هذه الخصائص إمكانية إرسال مهمات وأنشطة من جانب الوالدين إلى الأطفال، بحيث تتضمن تحديات بسيطة تدفعهم إلى البحث والاستكشاف وممارسة أنشطة مختلفة.
ويمكن، على سبيل المثال، تكليف الطفل بالعثور على خمسة أنواع مختلفة من الحشرات داخل الحديقة، أو تصوير ثلاث لوحات فنية انطباعية خلال زيارة أحد المتاحف، بما يحول استخدام الهاتف إلى وسيلة لتنفيذ أنشطة واقعية واكتساب معلومات جديدة.
كما يوفر الجهاز خاصية الاتصال اللاسلكي المباشر، إذ يستطيع طفلان تفعيل وضع المحادثة المشابه لأجهزة اللاسلكي بمجرد ملامسة الهاتفين لبعضهما، وهو ما يتيح لهما التواصل بطريقة تفاعلية دون الحاجة إلى إجراء مكالمة تقليدية.
ويحتوي «فريكل» كذلك على محفظة رقمية تدعم الدفع دون تلامس، ويمكن للوالدين إضافة مبلغ مالي إليها ليستخدمه الطفل في مشترياته اليومية، مثل شراء الآيس كريم أو غيره من الاحتياجات البسيطة، بما يساعده على تعلم التعامل مع الأموال تدريجياً.
سر اختيار اسم فريكل
اختيار اسم «فريكل» لم يكن عشوائياً، إذ يشير المصطلح إلى النمش الذي يظهر على البشرة، ويرتبط في تصور الشركة بالأوقات التي يقضيها الأطفال في الهواء الطلق تحت أشعة الشمس.
ويوضح تيريس أن الاسم يستحضر صورة الطفل الذي يقضي وقتاً طويلاً خارج المنزل في اللعب والاستكشاف، ثم يعود إلى منزله وقد تركت أشعة الشمس آثارها على بشرته.
ويعكس هذا الاختيار الفكرة الأساسية التي يقوم عليها المشروع، وهي تغيير الصورة المرتبطة بالتكنولوجيا باعتبارها نشاطاً يرتبط بالجلوس داخل المنازل والعزلة عن الآخرين.
ويرى مؤسس المشروع أن التكنولوجيا، إذا جرى تطويرها بطريقة مدروسة، يمكن أن تكون أداة تساعد الأطفال على خوض تجارب جديدة في الهواء الطلق، والتفاعل مع الأشخاص والبيئة المحيطة بهم، بدلاً من أن تصبح بديلاً عن الحياة الاجتماعية والأنشطة اليومية.
شركات تبحث عن بدائل للإدمان الرقمي
لا تمثل فكرة هاتف «فريكل» محاولة منفردة في سوق تكنولوجيا الأطفال، إذ تتجه شركات أخرى إلى تطوير منتجات تستهدف تقليل الوقت الذي يقضيه الصغار أمام الشاشات، مع توفير وسائل ترفيه وتعليم مختلفة.
وتواجه الشركات العاملة في هذا المجال تحدياً يتمثل في كيفية إنتاج أجهزة يحب الأطفال استخدامها، دون أن تتحول إلى مصدر جديد للتعلق المفرط بالتكنولوجيا، وهي معادلة يسعى عدد متزايد من المطورين إلى تحقيقها.
وفي هذا السياق، تعاونت شركة «تونيز» (Tonies) مع شركة «هاسبرو» (Hasbro) لتحويل ألعاب لوحية شهيرة، من بينها «مونوبولي» (Monopoly) و«خمن من؟» (Guess Who?)، إلى تجارب صوتية يمكن استخدامها عبر جهاز «تونيبوكس» (Toniebox)، الذي يعتمد على المحتوى الصوتي ولا يحتوي على شاشة.
كما يقدم جهاز «بادي» (Buddy) التابع لشركة «سكاي لايت» (Skylight) تجربة مختلفة، إذ يساعد الأطفال على تنظيم مهامهم اليومية وإنجازها، من خلال رسومات بسيطة صُممت لجذب انتباه الطفل بالقدر الكافي لفهم المهمة وتنفيذها، دون تشتيته لفترات طويلة.
وتكشف هذه المنتجات عن اتجاه متزايد نحو تطوير تكنولوجيا لا تعتمد على جذب انتباه الأطفال باستمرار، وإنما تساعدهم على إنجاز أنشطة محددة ثم العودة إلى حياتهم اليومية.
فلسفة تعتمد على العالم الحقيقي
يركز تيريس في تطوير «فريكل» على مبدأ أساسي، وهو ألا يصبح الهاتف نافذة منفصلة يعيش الطفل من خلالها داخل عالم رقمي، بل وسيلة تدفعه إلى اكتشاف ما يوجد حوله والتفاعل معه.
ويؤكد أن الهدف من الجهاز هو تشجيع الطفل على مشاركة تجاربه مع أشخاص آخرين أو التفاعل مع الأشياء والبيئة المحيطة، بدلاً من استخدامه بصورة فردية ومنعزلة.
وبحسب هذه الفلسفة، ينبغي أن يقود استخدام الهاتف إلى نشاط حقيقي، سواء كان اكتشاف نبات جديد أو التعرف على حشرة أو التواصل مع صديق أو تنفيذ مهمة خارج المنزل.
وتختلف هذه الرؤية عن النمط السائد في الهواتف الذكية، التي تعتمد تطبيقاتها في كثير من الأحيان على إبقاء المستخدم متصلاً بالشاشة، من خلال الإشعارات والمحتوى المتجدد ووسائل التفاعل المستمر.
منافسة في سوق هواتف الأطفال
يدخل «فريكل» سوقاً يضم بالفعل عدداً من الأجهزة والهواتف المصممة خصيصاً للأطفال، والتي تحاول توفير وسائل اتصال آمنة دون منح الصغار جميع إمكانات الهواتف الذكية المعتادة.
ومن بين هذه الأجهزة هواتف «غاب» (Gabb) و«بينويل» (Pinwheel) و«ترومي» (Troomi)، التي تعتمد على تقييد الوصول إلى الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي ومتاجر التطبيقات، مع توفير وظائف الاتصال الأساسية وبعض الأدوات المناسبة للأطفال.
كما يقدم «بارك فون» (Bark Phone)، الذي يعتمد في الأصل على أحد طرازات هواتف «سامسونغ جالاكسي»، نظاماً لمراجعة رسائل الأطفال بحثاً عن مؤشرات قد تشير إلى تعرضهم لمخاطر، إلى جانب توفير خصائص إضافية يمكن إتاحتها مع تقدم الطفل في العمر.
وبالنسبة للأطفال الأصغر سناً الذين لا يحتاجون إلى هاتف محمول أثناء التنقل، ظهرت أجهزة اتصال منزلية تحاكي الهواتف الأرضية التقليدية، مثل «تين كان» (Tin Can) و«بينويل هوم» (Pinwheel Home)، وتسمح بإجراء المكالمات مع جهات الاتصال التي يوافق عليها الوالدان فقط.
ورغم تنوع هذه المنتجات، لا يزال من غير المحسوم أي منها سيتمكن من تحقيق انتشار واسع بين الأسر، خاصة أن بعض الآباء يفضلون شراء هواتف «آيفون» لأبنائهم، نظراً لانتشارها الواسع وسهولة استخدامها وتوافرها لدى المحيطين بهم.
وتشير هذه المنافسة إلى أن مستقبل هواتف الأطفال لن يتوقف على الإمكانات التقنية أو الأسعار فقط، بل يرتبط أيضاً بقدرة الشركات على إقناع الأسر بأن الأجهزة الجديدة تستطيع تحقيق التوازن بين الأمان والتواصل والترفيه، دون تحويل التكنولوجيا إلى مصدر إضافي للعزلة أو إدمان الشاشات.
المصدر: مجلة «فاست كومباني»

