يتصاعد القتال في تعز بصورة تنذر بفتح جولة أكثر اتساعًا من المواجهات، بعدما أعلن الجيش اليمني تنفيذ 71 عملية استهداف ضد تجمعات وتحشيدات وتعزيزات للحوثيين، بالتزامن مع سقوط مدنيين واتساع النزوح.
وتتفاقم الكارثة الإنسانية بالتوازي مع هذا التصعيد، إذ يحذر برنامج الأغذية العالمي من تدهور قياسي في قدرة الأسر على تأمين غذائها، بينما يدفع القتال آلاف اليمنيين إلى ترك منازلهم والبحث عن الأمان.
تعز تتحول إلى جبهة مفتوحة
وفي أحدث التطورات، قال المتحدث العسكري ماجد النزيلي إن القوات الحكومية نفذت 71 عملية استهداف وصفها بالدقيقة ضد تجمعات وتحشيدات قتالية وتعزيزات تابعة للحوثيين في مناطق متعددة بمحافظة تعز.
وبحسب البيان العسكري، تركزت العمليات في الأقروض وسامع والأحكوم والأكبوش وجبل راسن وجبل جرداد وبني عمر وبني بكاري والكعاوش والأثاور، وهي مناطق تعكس اتساع رقعة التحرك العسكري داخل المحافظة.
كما قال الجيش إن العمليات أدت إلى تدمير وسائل نقل وإسناد وتحييد عناصر من الحوثيين وإضعاف قدرة تشكيلاتهم على مواصلة القتال، من دون أن يعلن أرقامًا محددة للخسائر البشرية.
وفي المقابل، لم يصدر فورًا تعليق من الحوثيين على ما أعلنه الجيش، بينما بقيت رواية القوات الحكومية المصدر الوحيد المعلن بشأن حصيلة هذه العمليات ومداها وتأثيرها الميداني المباشر.
ومن جهة أخرى، جاء هذا التصعيد بعد يوم شهد إصابة ستة مدنيين، بينهم طفلان وامرأة، جراء قصف مدفعي نسبته وكالة سبأ الرسمية إلى الحوثيين واستهدف أحياء سكنية وسط مدينة تعز.
وفي اليوم نفسه، أعلن الجيش اندلاع مواجهات عنيفة في الجبهة الشمالية للمدينة، كما تحدث عن شن عشرات الغارات على تحركات وتعزيزات وتجمعات ومواقع تابعة للحوثيين في مناطق مختلفة من المحافظة.
وبالتزامن مع ذلك، أعلنت وزارة الداخلية اليمنية مقتل محمد الخولاني، قائد أركان حرب قوات لواء الطوارئ، خلال مواجهات مع الحوثيين في جبهة الكدحة، بما يعكس ارتفاع كلفة الاشتباكات على القوات الحكومية.
ومنذ يوليو الماضي، دخلت تعز ضمن موجة تصعيد تعد الأوسع منذ فترة الهدوء النسبي التي أعقبت هدنة أبريل 2022، وهو ما يعيد مخاطر توسع الحرب إلى الواجهة من جديد.
النزوح يتسع مع اشتداد المعارك
ومع اتساع العمليات العسكرية، حذر برنامج الأغذية العالمي من أن تجدد القتال أدى إلى نزوح أكثر من 149 ألف شخص، وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة، وبينهم أسر سبق أن نزحت خلال سنوات الحرب.
وبحسب البرنامج، لا يقتصر أثر النزوح على فقدان المنزل، إذ تتعطل الأسواق وتتقيد طرق وصول المساعدات، ما يجعل الأسر النازحة أمام أزمة مركبة تجمع بين الخوف والجوع وصعوبة الحصول على الخدمات الأساسية.
كما أظهرت عمليات الرصد في المناطق التي يمكن الوصول إليها أن 74 في المئة من الأسر عجزت عن تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية، وهو أعلى مستوى يسجله البرنامج خلال العام الحالي.
وفي دلالة أشد خطورة، أفاد البرنامج بأن 18.3 مليون شخص في مختلف أنحاء اليمن يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، في وقت يزيد فيه الصراع وارتفاع الأسعار من صعوبة الحصول على الطعام.
ومن بين الأكثر تعرضًا للخطر، يعاني نحو 2.2 مليون طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم 500 ألف طفل يواجهون سوء التغذية الحاد الوخيم الذي يهدد الحياة مباشرة.
وفي ظل هذه الأرقام، يصبح استمرار القتال عاملًا مضاعفًا للأزمة، لأن كل موجة نزوح جديدة تعني مزيدًا من الضغط على الأسواق والمخيمات والخدمات الإنسانية والمخزون الغذائي المتاح للمنظمات العاملة.
وعلى الجانب الآخر، يحاول برنامج الأغذية توسيع مساعداته للعائلات النازحة حديثًا، ويخطط للوصول إلى ما يصل إلى 1.5 مليون شخص، لكن سرعة نفاد مخزونات الإغاثة تهدد باتساع فجوة الاحتياجات.
وخلال سبتمبر، قدم البرنامج حصصًا غذائية جاهزة للأكل لأعداد تفوق ما وصل إليه في أي شهر آخر خلال 2026، وهو مؤشر على شدة الطوارئ واتساع نطاق التدخل المطلوب.
الجوع يعبر الحدود اليمنية
وفي مواجهة احتمالات التصعيد، يعمل برنامج الأغذية العالمي على تخزين الإمدادات مسبقًا في مناطق النزوح الرئيسية، استعدادًا لتوسيع الاستجابة الطارئة إذا دفعت المواجهات أعدادًا إضافية إلى مغادرة منازلها.
وبحسب البرنامج، يمكن توسيع نطاق الاستجابة ليشمل ما يصل إلى 1.5 مليون شخص، لكن هذه القدرة تظل مرتبطة بتوافر المخزون واستمرار الوصول الإنساني إلى المناطق المتضررة من القتال.
وفي تطور لافت، بدأت تبعات الحرب تتجاوز الحدود اليمنية، إذ عبر آلاف الفارين من النزاع مضيق باب المندب باتجاه جيبوتي بحثًا عن الأمان بعيدًا عن مناطق المواجهات.
وحتى أواخر سبتمبر، وصل أكثر من ثلاثة آلاف و700 شخص إلى جيبوتي، وهو تدفق جديد يفرض ضغوطًا إضافية على مرافق الاستقبال والخدمات الإنسانية التي تعاني أصلًا من أعباء كبيرة.
وفي المقابل، يعمل برنامج الأغذية العالمي وشركاؤه إلى جانب السلطات الجيبوتية لتقديم الدعم للوافدين، بينما يظل استمرار القتال داخل اليمن عاملًا قادرًا على دفع أعداد أكبر نحو الهجرة القسرية.
ومن ثم، لم يعد التصعيد في تعز مجرد مواجهة عسكرية محلية، إذ أصبح مرتبطًا مباشرة بمستويات الجوع والنزوح وتعطل الأسواق ونقص المساعدات، بما يوسع دائرة الخطر إلى محافظات ومناطق استقبال جديدة.
وفي النهاية، تضع 71 عملية عسكرية وأرقام النزوح والجوع اليمن أمام مسار بالغ القسوة، فكل تقدم ميداني أو جولة قصف تقابلها أسر تفقد مأواها وأطفال يقتربون أكثر من سوء التغذية.
ولهذا، يبقى المدنيون الطرف الأكثر دفعًا للثمن، بينما تتزايد حاجتهم إلى الغذاء والمأوى والحماية كلما اتسعت المعارك، ويتحول استمرار القتال إلى ضغط مباشر على قدرة المنظمات على منع انهيار إنساني أوسع.

