تتكدس الواجبات والتقييمات فوق أطفال لم يمر على دخولهم العام الدراسي سوى أسابيع قليلة، فيما تصف أسر كثيرة يومها بأنه تحول إلى سباق مرهق بين المدرسة والواجبات والمراجعة المستمرة بلا وقت كاف للراحة.
وتتسع الأزمة مع استمرار شكاوى أولياء الأمور من كثافة المناهج وصعوبة بعض محتوياتها، لتصبح سياسات وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف موضع مساءلة حول معنى التطوير وحدوده وملاءمته الفعلية لقدرات أطفال المرحلة الابتدائية.
تقييمات متلاحقة تستنزف يوم الطفل
وفي الأسابيع الأولى من الدراسة، تجددت شكاوى أولياء الأمور من كثرة التقييمات والواجبات والأداءات الصفية والمنزلية، وهو ما رصدته تصريحات تربوية وتحرك برلماني حديث تناول العبء الواقع على الأطفال وأسرهم.
كما قالت الخبيرة التربوية داليا الحزاوي إن كثافة التقييمات قد تجعل الطالب يشعر بأنه في اختبار مستمر، بما يؤثر على وقت الاستيعاب والراحة والتواصل الاجتماعي والأنشطة وتنمية الهوايات.
وفي المقابل، تؤكد وزارة التربية والتعليم أن التقييم عنصر أساسي لمتابعة تقدم الطلاب، وأن الاختبارات الأسبوعية تهدف إلى تثبيت المهارات، مع إمكانية تكييف مواعيدها وفق ظروف المدرسة.
لكن شكاوى الأسر تضع هذه الرؤية أمام اختبار عملي، لأن الهدف التربوي لا يقاس بعدد الكتيبات والمهام، وإنما بقدرة الطفل على التعلم دون أن يتحول يومه بالكامل إلى سلسلة من التكليفات.
ومن داخل مجموعات أولياء الأمور، تتكرر روايات عن أطفال يعودون من المدرسة ليبدأوا ساعات من الواجبات، ثم يستعدون لتقييم جديد، بينما تصبح الأسرة مطالبة بمتابعة تفاصيل متعددة في أكثر من مادة يوميًا.
وفي إحدى الشكاوى، قالت ولية أمر إن مادة اللغة العربية وحدها في الصف الثالث ترتبط بعدة كتب وتقييمات وبوكليتات وكشكول واجب، متسائلة كيف يمكن لأسرة لديها أكثر من طفل ملاحقة كل ذلك.
كما تلخص سخرية أم من منهج الرياضيات شعور قطاع من الأسر حين قالت إنهم أخذوا من اليابان «كاوتش عربية وركبناها على عربية كارو»، في اعتراض على نقل منهجية دون تهيئة كافية.
ومن جهتها، تقول الوزارة إن منهجية الرياضيات اليابانية تستهدف تبسيط الشرح وتنمية التفكير وربط الدروس بأنشطة ملموسة، وقد نفذت تدريبات لمعلمي الصف الأول الابتدائي بالتعاون مع مؤسسة يابانية متخصصة.
مناهج مطورة وأسئلة بلا إجابات
وفي الخطاب الرسمي، قدم محمد عبد اللطيف تطوير المناهج باعتباره تحولًا واسعًا شمل مواد أساسية ومراحل متعددة، مع تطبيق منهجية يابانية منظمة في الرياضيات وإدخال كتيبات تقييم لأول مرة.
كما قالت الوزارة إن عملية التطوير شملت عشرات المناهج، وربطت ذلك بتحسين المهارات الأساسية ورفع جودة التعلم، بينما لا يزال أولياء أمور يشكون من أن كثافة المحتوى سبقت قدرة المدارس والأسر على استيعابه.
وفي هذه الفجوة تحديدًا تتجمع الأزمة، لأن تطوير المنهج على الورق لا يضمن نجاحه داخل فصل مزدحم أو معلم مثقل أو طفل ما زال يبني مهارات القراءة والحساب الأساسية.
كما أن مطالبة الطفل بالفهم والاستنتاج أمر تربوي مطلوب، لكن الجمع بين محتوى كثيف وتقييمات متلاحقة وواجبات متعددة يمكن أن يحول مهارة التفكير نفسها إلى مصدر ضغط إذا غاب التدرج.
وفي الصفوف الأولى، تصبح حساسية الأمر أكبر، لأن المدرسة في هذه السن يفترض أن تؤسس علاقة الطفل بالتعلم، بينما تخشى أسر من أن يتحول التعليم إلى تجربة مرتبطة بالتوتر والخوف من الخطأ.
ومن ثم، لا يكفي أن تقول الوزارة إن التقييمات وسيلة للتحسين، بل تحتاج إلى قياس واضح يوضح أثرها على التحصيل والضغط النفسي والوقت المتاح للأنشطة ومدى اختلاف النتائج بين المدارس.
كما يطرح ذلك سؤالًا عن مشاركة المعلمين والأسر في تقييم المناهج بعد تطبيقها، وما إذا كانت الوزارة تمتلك آلية سريعة لتعديل حجم التكليفات عندما تظهر شكاوى متكررة خلال الأسابيع الأولى.
البرلمان ينقل الشكاوى للوزارة
وفي 29 سبتمبر، انتقلت الأزمة رسميًا إلى مجلس النواب بعدما تقدمت النائبة سناء السعيد بسؤال برلماني إلى وزير التربية والتعليم بشأن صعوبة وكثافة مناهج المرحلة الابتدائية وارتفاع الأعباء والتقييمات المفروضة على الأطفال.
كما سألت السعيد عن الأسس التي حددت الوزارة على أساسها حجم المناهج وصعوبتها، وما إذا جرت دراسة ملاءمتها للمرحلة العمرية والقدرات النفسية والذهنية للطلاب قبل تطبيقها.
ومن بين الأسئلة كذلك، طالبت النائبة بمعرفة الضوابط التي تمنع تحول الواجبات والتقييمات إلى عبء يومي، ومدى وجود آلية دورية لقياس آراء أولياء الأمور والمعلمين والطلاب حول المناهج الجديدة.
وفي السياق نفسه، سألت عن نية الوزارة مراجعة محتوى المناهج وحجمها بما يوازن بين التحصيل الدراسي وحق الطفل في الراحة واللعب والأنشطة، وهي نقطة تتكرر بوضوح في شكاوى الأسر.
كما اعتبرت السعيد أن إصلاح التعليم لا يعني زيادة المحتوى فقط، بل تقديم تعليم مناسب للعمر يراعي احتياجات الطفل النفسية والاجتماعية ويرسخ حب التعلم بدلًا من دفعه إلى النفور منه.
وفي المقابل، تقول الوزارة إن سياساتها التعليمية تستهدف الانضباط وتحسين الحضور والمهارات الأساسية، وإنها تعمل على تحديث المناهج وتطوير طرق التدريس وإعداد المعلمين ضمن خطة أشمل لإصلاح التعليم قبل الجامعي.
لكن استمرار الشكاوى بعد أسابيع قليلة من بدء الدراسة يجعل من الضروري اختبار هذه السياسات بنتائجها داخل البيوت والفصول، لا بعدد المناهج المطورة أو الكتيبات المطبوعة أو التصريحات المعلنة.
ومن هنا، تصبح مسؤولية محمد عبد اللطيف مرتبطة بالاستجابة لما يرد من المدارس والأسر، لأن نجاح أي تطوير لا يكتمل إذا شعر الطفل أنه ممتحن طوال الوقت والأسرة أنها في سباق يومي دائم.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه على الوزارة واضحًا: هل الهدف بناء طفل يفهم ويحب المدرسة، أم زيادة جرعات المحتوى والتقييم حتى يصبح التعليم عبئًا نفسيًا وأسريًا منذ السنوات الأولى؟

