أفاد تقرير لـ "اليونيسف" أن الأسر اللبنانية تغرق في أزمة معيشية وإنسانية متسعة، بعدما أصبح تأمين الطعام والعلاج والتعليم تحديا يوميا، بينما يدفع الأطفال الثمن الأثقل من الجوع والعمل المبكر والتسرب الدراسي والضغوط النفسية المتفاقمة.
وتدفع سنوات الانهيار الاقتصادي وتصاعد الأعمال العدائية مزيدا من العائلات إلى تقليص احتياجاتها الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة المؤسسات والخدمات العامة على حماية الأطفال من نتائج قد تمتد آثارها لسنوات طويلة.
الجوع يطارد أطفال لبنان
وفي أحدث المؤشرات، تكافح أربعة من كل خمسة أسر لتغطية احتياجاتها الأساسية، بما يعني أن الأزمة لم تعد محصورة في الفئات الأشد فقرا، بل امتدت إلى شرائح أوسع من المجتمع اللبناني.
وبحسب البيانات، قالت اليونيسف أن 22 في المائة من الأسر إن أطفالها ناموا جائعين، وهو رقم يحول نقص الغذاء من أزمة دخل إلى تهديد مباشر لصحة الأطفال ونموهم الجسدي والعقلي.
وفي الوقت نفسه، لم تتمكن سوى 10 في المائة من الأسر التي لديها أطفال دون الخامسة من توفير غذاء متنوع ومناسب، ما يضع آلاف الصغار أمام مخاطر سوء التغذية وضعف المناعة.
كما اضطرت 31 في المائة من الأسر إلى حرمان أطفالها من رعاية صحية كانوا يحتاجون إليها، بعدما تحولت كلفة العلاج والدواء إلى عبء يتجاوز قدرة عائلات تستنزفها النفقات اليومية.
وفوق ذلك، أفادت 14 في المائة من الأسر بوجود طفل واحد على الأقل يعمل، وهي نسبة تجاوزت ضعفي المستوى المسجل في يناير 2025، بما يعكس اتساع الاعتماد على عمل القاصرين.
ومن جهة أخرى، لا يمثل خروج الأطفال إلى سوق العمل مجرد حل مؤقت لضائقة مالية، إذ يهدد بقطع مسار التعليم وتحويل الأزمة الحالية إلى دائرة فقر تمتد عبر الأجيال.
وفي المقابل، تحمل أرقام الضحايا بعدا أكثر قسوة، إذ قُتل ما لا يقل عن 261 طفلا وأصيب 1056 آخرون منذ 2 مارس 2026، وسط استمرار العنف واتساع نطاق الخسائر.
كما تشير التقديرات إلى أن نحو 12 في المائة من الأطفال المصابين باتوا يعيشون مع إعاقات، ما يضيف احتياجات علاجية وتأهيلية طويلة إلى أسر تعاني أصلا من ضيق الموارد.
وبالتالي، تتشابك أزمات الغذاء والصحة والعمل المبكر والفقر في حياة الطفل اللبناني، فلا يعود الحرمان حادثة منفردة، بل مسارا يوميا يعيد تشكيل سنوات الطفولة ويقضم فرص النجاة من الأزمة.
المدارس تنهار والصفوف تتبدد
وفي قطاع التعليم، تضررت أو دُمرت 436 مدرسة، ما يهدد نحو 100 ألف طفل بالحرمان من الانتظام في الدراسة في صفوفهم، ويضع بداية العام الدراسي أمام فجوة ضخمة في الأماكن الآمنة والمتاحة للتعلم.
وبالتوازي، قُتل أو أصيب أكثر من 86 معلما ومعلمة، لتنتقل كلفة العنف من المباني إلى الكوادر التعليمية نفسها، بينما تواجه المدارس ضغوطا متزايدة لاستعادة انتظام الدراسة وسط أضرار واسعة.
كما قالت اليونيسفإن 46 في المائة من الأسر إنها خفضت الإنفاق على التعليم، وهو قرار لا يرتبط بالكماليات، بل قد يعني تقليص الكتب والنقل والدروس واللوازم أو الانقطاع الكامل عن الدراسة.
وفوق ذلك، أفادت 17 في المائة من الأسر بأن أطفالها توقفوا عن الذهاب إلى المدرسة، ما يضع شريحة واسعة أمام خطر فقدان سنوات دراسية يصعب تعويضها مع استمرار الضغوط الاقتصادية.
ومن بين الأطفال الذين ظلوا داخل المدارس، لم يتمكن 29 في المائة من التعلم بالشكل المتوقع، وكانت صعوبة التركيز والضائقة النفسية من أبرز الأسباب التي عطلت قدرتهم على الاستفادة من الدراسة.
كما أن تدمير عشرات المنشآت التعليمية وتضرر المئات يهددان بتوسيع الفجوة بين المناطق، إذ ستكون الأسر الأفقر أقل قدرة على الانتقال أو تحمل تكاليف بدائل تعليمية بعيدة أو خاصة.
ومن ناحية أخرى، يهدد استمرار الانقطاع المدرسي بزيادة عمالة الأطفال والزواج المبكر ومخاطر الاستغلال، لأن غياب المدرسة يترك مساحات أكبر للفقر كي يحدد مسار حياة القاصرين.
وبذلك، يتحول تراجع التعليم من خسارة فردية إلى أزمة وطنية، لأن جيلا أقل تعليما ومهارة سيواجه لاحقا سوق عمل أضعف، ويصبح التعافي الاقتصادي نفسه أكثر صعوبة وأعلى كلفة.
جيل كامل أمام مستقبل مغلق
وفي الجانب النفسي، يقدر أن 770 ألف طفل عانوا من ضائقة نفسية خلال الأشهر الستة الماضية، وهو رقم يعكس اتساع أثر الخوف والنزوح والفقدان وعدم اليقين على الحياة اليومية.
كما قالت أكثر من نصف الأسر إن الحالة النفسية لأطفالها تدهورت، بينما أفادت 63 في المائة بأن أبناءها شعروا بالقلق أو التوتر، بما يجعل الأذى النفسي أحد أوسع أوجه الأزمة.
وفوق ذلك، لا تنتهي آثار الصدمة بانتهاء صوت القصف أو عودة الأسرة إلى منزلها، إذ يمكن أن تستمر اضطرابات النوم والخوف والعزلة وضعف التركيز وتؤثر في الدراسة والعلاقات والنمو.
وفي المقابل، يمتد انسداد الأفق إلى الشباب، إذ لم يكن سوى 22 في المائة ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاما ملتحقين بمدرسة أو جامعة في التقييم السابق.
كما أظهرت البيانات أن 67 في المائة من الشباب المشمولين بالتقييم كانوا عاطلين عن العمل، لتجتمع صعوبة التعليم مع غياب الوظائف في معادلة تدفع مزيدا منهم نحو الهجرة أو الهشاشة.
ومن ثم، يصبح الحديث عن تعافي لبنان ناقصا إذا اقتصر على ترميم المباني أو المؤشرات المالية، بينما يخسر الأطفال سنوات الدراسة ويخرج الشباب إلى مستقبل تقل فيه فرص العمل والاستقرار.
وفي الوقت ذاته، تفرض الأزمة حاجة عاجلة إلى دعم الحماية الاجتماعية والتعليم والصحة النفسية والرعاية الصحية، لأن ترك الأسر تواجه الانهيار وحدها يعني نقل كلفة الأزمة مباشرة إلى الأطفال.
وفي النهاية، تقف أجيال كاملة أمام كابوس يتجاوز الجوع والحرب إلى ضياع التعليم والصحة والفرص، فيما يصبح إنقاذ الأطفال شرطا لأي تعاف حقيقي، لا ملفا إنسانيا يمكن تأجيله.

