محمد جمال عرفة
كاتب صحافي مصري
منذ أيام، قرر رئيس البرلمان الإيراني ورئيس وفد التفاوض مع واشنطن، محمد باقر قاليباف، أن يضيف "بهارات إيرانية" إلى واحدة من أشهر قواعد الاقتصاد النقدي، ويقدم ما سماه "قاعدة تايلور للمضائق"، بدل من القاعدة المعروفة (تايلور) القائمة فقط على ربط سعر الفائدة بالتضخم وفجوة الناتج، فأضاف لأسباب ارتفاع الفائدة والتضخم في الغرب والعالم، "مخاطر إغلاق مضيق هرمز"، و"مخاطر باب المندب".
قاليباف أراد أن ينقل رسالة اقتصادية سياسية مهمة لأميركا والغرب تقول لهم إنه بدلا من تكون حسابات البنوك المركزية الغربية محصورة في التضخم والنمو والبطالة، أضيفوا "المضائق" أيضا لهذه الحسبة، ليحذرهم من أن عدم حل مشكلة الحرب وإنهاء الحصار على إيران سينعكس على اقتصاد العالم كله، بل يغير النظريات الاقتصادية الكلاسيكية التقليدية.
وهنا تحديدا تكمن الرسالة الإيرانية أو السخرية، فالبنك المركزي الأميركي يستطيع رفع الفائدة 25 أو 50 نقطة أساس لمواجهة التضخم، لكنه لا يستطيع بهذه الزيادة أن يفتح مضيق هرمز، أو يجعل ناقلة نفط تعبر باب المندب بأمان، أو يضيف برميل نفط واحد إلى السوق، لأن المشكلة ليست كلها طلبا زائدا يمكن خنقه برفع الفائدة، وإنما جزء منها صدمة عرض مرتبطة بالطاقة والممرات البحرية.
ومع اضطراب باب المندب، بجانب هرمز تصبح المسألة أكبر من مجرد ناقلة تأخرت في البحر، إذ أن تعطيل الملاحة يجبر السفن على تغيير مسارها حول رأس الرجاء الصالح، بما يضيف أسابيع إلى الرحلات ويرفع تكاليف الشحن.
قاليباف، وضع بذلك، هرمز وباب المندب داخل المعادلة نفسها، ثم ألمح إلى أن "المعدل الطبيعي" للفائدة لم يعد طبيعيا تماما إذا كانت المخاطر الجيوسياسية ترفع علاوة المخاطر في أسواق الطاقة والشحن، ليوصل رسالة سياسية مفادها: "أنتم في واشنطن تتحكمون بالفائدة، لكن طهران تستطيع التأثير في المتغيرات التي تجعل الفائدة ضرورية أصلا"!
وشرح أنه ما دامت صدمات الطاقة والمضائق قائمة، فستظل توقعات التضخم معرضة للاهتزاز، مهما حاولت البنوك المركزية تثبيتها بأدواتها التقليدية، ليضع بذلك "قاعدة تايلور للمضائق" ليس نموذجا نقديا معتمدا، بل رسالة سياسية واقتصادية مغلفة بمعادلة، ومضمون الرسالة في النهاية بسيط جدا: ارفعوا الفائدة كما تشاؤون، لكن لو تعطل هرمز وباب المندب، فالمشكلة ستظل واقفة عند باب الاقتصاد العالمي".
قاليباف لم يكتف بذلك بل عاد ليقول لواشنطن: أردتم إعادة إيران إلى السبعينيات؟ لا تقلقوا… أنتم في طريقكم إليها أولا، قاصدا من الناحية الاقتصادية، وكان يسخر من ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 5.1%، ويقول إن هذا قد يكون مجرد "الحد الأدنى" خلال العامين المقبلين.
كتب على منصة "إكس": "أردتم إعادة إيران إلى سبعينيات القرن الماضي؟ ...سنعيدكم أنتم إلى معدلات الفائدة التي كانت سائدة في السبعينيات، مع ارتفاع أسعار البنزين ونقص الديزل وأزياء الجرس العريضة، استمتعوا بالحنين إلى الماضي".
وهو ما أثار تساؤلات في صحف اقتصادية تدور حول: هل غيرت حرب إيران معادلة قاعدة تايلور وأضافت مخاطر هرمز وباب المندب؟
فلم تعد معادلة التضخم وأسعار الفائدة في الاقتصاد العالمي تقرأ فقط من خلال أرقام الأسعار والنمو والبطالة، فمع اتساع تداعيات الحرب مع إيران واضطراب حركة الملاحة في الشرق الأوسط، دخل عامل جديد إلى الحسابات الاقتصادية: الممرات البحرية التي تحمل الطاقة والتجارة العالمية، وهو ما يطرح مشكلة اقتصادية حقيقية: ماذا تستطيع البنوك المركزية أن تفعل عندما يكون التضخم ناتجا جزئيا عن صدمة في جانب العرض، وليس عن ارتفاع الطلب؟
ما هي قاعدة تايلور؟
قبل فهم "قاعدة تايلور للمضائق" التي تحاول إيران فرضها نظريا، يجب أولا فهم القاعدة الأصلية، فقاعدة تايلور هي قاعدة إرشادية للسياسة النقدية اقترحها الاقتصادي الأميركي جون تايلور عام 1993، وتربط مستوى سعر الفائدة الذي ينبغي أن يحدده البنك المركزي بعناصر رئيسية: معدل التضخم، والهدف الذي يسعى البنك المركزي للوصول إليه، والفجوة بين الناتج الفعلي والناتج المحتمل للاقتصاد. ويستخدم الاحتياطي الفيدرالي القاعدة وغيرها من قواعد السياسة النقدية بوصفها أدوات إرشادية، وليس باعتبارها معادلة آلية تحدد سعر الفائدة بصورة ملزمة.
بصيغة مبسطة، تقول القاعدة: عندما يرتفع التضخم فوق المستوى المستهدف، ينبغي رفع الفائدة لسحب السيولة، وعندما يكون الاقتصاد أكثر سخونة من قدرته الإنتاجية، يمكن أيضا رفع الفائدة لتهدئة الطلب، والعكس صحيح عندما ينخفض التضخم ويضعف النشاط الاقتصادي.
في الصيغة الأصلية، افترض تايلور سعرا حقيقيا طويل الأجل للفائدة يبلغ نحو 2%، وهدفا للتضخم عند 2%، مع استجابة لسلوك التضخم وفجوة الناتج، فإذا ارتفع التضخم، ترتفع الفائدة المقترحة بأكثر من مقدار ارتفاع التضخم، وهي الفكرة المعروفة باسم "مبدأ تايلور".
لكن هذه القاعدة صممت أساسا للتعامل مع اختلالات الطلب والتضخم والنشاط الاقتصادي. وهنا تظهر المشكلة التي تفرضها حرب إيران، أي: ماذا يحدث عندما يأتي التضخم من البحر؟
إذا ارتفعت أسعار السلع لأن المستهلكين ينفقون أكثر من اللازم، يستطيع البنك المركزي استخدام الفائدة للحد من الاقتراض والاستهلاك والاستثمار، وبالتالي تخفيف الطلب والأسعار.
أما إذا ارتفع سعر النفط لأن ناقلاته تواجه خطرا في مضيق هرمز، فإن رفع الفائدة لن يزيد إنتاج النفط، ولن يفتح المضيق، ولن يضيف برميلا واحدا إلى السوق، وهذه هي النقطة المركزية في "قاعدة تايلور للمضائق" التي تطرحها إيران، بمعنى أن الأداة النقدية تستطيع التأثير في الطلب، لكنها عاجزة مباشرة عن معالجة صدمة جيوسياسية في العرض.
فأي ارتفاع حاد ومستمر في مخاطر هرمز يمكن أن ينتقل من سوق النقل والطاقة إلى أسعار الوقود، ثم تكاليف الإنتاج والنقل، ثم أسعار السلع والخدمات، ليصل في النهاية إلى مؤشر التضخم، والمشكلة لا تنتهي عند هرمز، فباب المندب يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ويرتبط مباشرة بقناة السويس التي تشكل أحد أهم طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.
وقد أظهرت تجربة اضطرابات البحر الأحمر السابقة مدى سرعة انتقال الخطر الأمني إلى الاقتصاد الحقيقي، فقد أدى تراجع حركة السفن عبر البحر الأحمر وباب المندب إلى تحويل جزء كبير من الملاحة إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وهو مسار أطول بكثير، ووفق البنك الدولي، أدى ذلك إلى زيادة زمن الرحلات لمسافات تصل إلى آلاف الأميال، ورفع استهلاك الوقود وتكاليف النقل.
وفي أزمة البحر الأحمر، انخفضت حركة المرور عبر قناة السويس وباب المندب بنحو النصف بحلول نهاية مارس 2024، بينما تضاعفت حركة الملاحة عبر رأس الرجاء الصالح تقريبا.
وهنا يتحول الخطر من صدمة نفطية إلى صدمة لوجستية أيضا فالسفينة التي تسلك طريقا أطول تحتاج إلى وقود أكثر، ووقت أطول، وتأمين أعلى، وقد تحتاج شركات الشحن إلى سفن إضافية للحفاظ على عدد الرحلات نفسه. وتنعكس هذه التكاليف في النهاية على أسعار السلع التي تصل إلى المستهلك.
وهكذا إذا أدت الحرب إلى ارتفاع النفط والشحن، فسيرتفع التضخم، ووفق منطق قاعدة تايلور، قد يدفع ذلك البنك المركزي إلى إبقاء الفائدة مرتفعة أو رفعها، لكن رفع الفائدة في الوقت نفسه يضغط على الاستهلاك والاستثمار والنمو، وإذا كانت الحرب قد أضعفت التجارة ورفعت تكاليف الإنتاج، فقد يصبح الاقتصاد أضعف بينما يظل التضخم مرتفعا.
أي أن البنك المركزي قد يواجه وضعا يعرف اقتصاديا بصدمة عرض تضخمية، أي أسعار أعلى ونمو أضعف في الوقت نفسه، وإذا بدأت الشركات تفترض أن تكاليف الشحن والطاقة ستظل مرتفعة، فقد ترفع أسعار منتجاتها مسبقا، وإذا طالب العمال بأجور أعلى لتعويض ارتفاع تكاليف المعيشة، فقد تبدأ موجة ثانية من التضخم. عندها تصبح الصدمة الجيوسياسية أكثر رسوخا داخل الاقتصاد.
أي أن هناك احتمال أن تصبح توقعات التضخم "غير مثبتة" إذا استمرت صدمات الطاقة والمضائق، لأن أدوات البنك المركزي التقليدية لا تستطيع السيطرة مباشرة على مصدر هذه الصدمات.
القصة بالتالي تتعلق بتحذير اقتصادي إيراني من أن الاحتياطي الفيدرالي يستطيع تغيير سعر الفائدة، لكنه لا يستطيع التحكم في سعر النفط العالمي أو تأمين السفن أو اختصار الطريق حول أفريقيا، وكلما أصبحت التجارة العالمية أكثر اعتمادا على ممرات بحرية معرضة للصراع، أصبحت أسعار الطاقة والشحن أكثر ارتباطا بالمخاطر الجيوسياسية، وعليه فالحل هو وقف الحرب ووقف الحصار.
و"قاعدة تايلور للمضائق" ليست بديلا عن قاعدة تايلور، بل طريقة لتذكير الأسواق بأن التضخم لا يأتي دائما من داخل الاقتصاد، فقد يأتي من ميناء مغلق، أو ناقلة متوقفة، أو مضيق مضطرب، أو طريق تجاري أطول بآلاف الأميال.

