انتهت رسميًا رحلة شركة النقل والهندسة، صاحبة علامة «نسر» التاريخية في صناعة الإطارات، بينما ظلت السوق المصرية تعتمد على ملايين الإطارات المستوردة ومئات الملايين من الدولارات سنويًا لتغطية احتياجات سيارات الركوب والشاحنات والأتوبيسات، في وقت أكدت فيه الحكومة نفسها أن صناعة الإطارات ما تزال مجدية وقابلة للاستثمار.
وتزداد التساؤلات مع ظهور استثمارات صينية جديدة خلال سبتمبر 2026، بعدما أعلنت شركة Shandong Linglong Tire استثمار 270 مليون دولار لإنشاء مصنع في برج العرب بطاقة 6 ملايين إطار سنويًا، بالتوازي مع خطاب نوايا سابق مع شركة ZC Rubber لدراسة مجمع متكامل باستثمارات تقديرية تبلغ 500 مليون دولار، بينما ما يزال مصير إحياء علامة «نسر» ومصنع العامرية الجديد غير محسوم أمام الرأي العام.
مصنع وطني يخرج والسوق لا ينتظر
بدأت شركة النقل والهندسة نشاط إنتاج الإطارات منذ عام 1956، بعد تأسيسها بعقد كامل تقريبًا، لتصبح علامة «نسر» واحدة من الأسماء المرتبطة لعقود بصناعة الإطارات المصرية، قبل أن تتوقف أنشطتها تدريجيًا وتتراكم خسائرها حتى الوصول إلى قرار التصفية المعلن في مارس 2025.
وبررت الوثائق الرسمية قرار التصفية بتوقف النشاط منذ سنوات، وتراكم الخسائر، وعدم توافر مستثمرين للدخول في مشروع إنشاء مصنع إطارات جديد آنذاك، إلى جانب الإشارة إلى ملاحظات وتقارير الجهاز المركزي للمحاسبات، لتنتهي الشركة قانونيًا بينما بقيت السوق التي كانت تعمل فيها قائمة ومتنامية.
لكن المفارقة ظهرت في تصريحات الحكومة نفسها، إذ أكد وزير قطاع الأعمال أن صناعة الإطارات صناعة مجدية، وأن مصر تستورد نحو 15 مليون إطار سنويًا بتكلفة تتراوح بين 400 و500 مليون دولار، مع إعلان خطة لإحياء علامة «نسر» وإنشاء مصنع جديد على أرض العامرية بالتعاون مع القطاع الخاص.
وتطرح هذه المعطيات سؤالًا لا يتعلق بإمكانية استمرار الشركة القديمة بشكلها السابق بقدر ما يتعلق بتوقيت التطوير؛ فإذا كانت الصناعة نفسها مجدية، والسوق المحلية ضخمة، والاستيراد يستنزف مئات الملايين من الدولارات، فلماذا لم يتم الوصول إلى شريك تكنولوجي ومستثمر قبل انتهاء الشركة بالتصفية؟
كما تظهر بيانات 2024 حجم السوق بصورة أكثر وضوحًا، بعدما استوردت مصر نحو 3.7 مليون إطار لسيارات الركوب بقيمة تقارب 225.2 مليون دولار، إضافة إلى نحو 2.03 مليون إطار للشاحنات والأتوبيسات بقيمة 331.3 مليون دولار.
وتؤكد هذه الأرقام أن الطلب المحلي على الإطارات ليس محدودًا أو موسميًا، بل يمثل سوقًا واسعة تستوعب إنتاجًا محليًا كبيرًا، وهو ما يفسر أيضًا الاهتمام الذي بدأت الشركات الأجنبية تبديه بإنشاء مصانع داخل مصر بدل الاكتفاء بتصدير منتجاتها إليها.
الصين تدخل فراغ الإطارات
تحولت الصورة بصورة أكثر وضوحًا خلال سبتمبر 2026، بعدما ظهرت خطط صينية واسعة للاستثمار في صناعة الإطارات داخل مصر، بما يشير إلى أن السوق التي فقدت مصنعًا وطنيًا تاريخيًا أصبحت في الوقت نفسه محل اهتمام شركات عالمية ترى فيها فرصة إنتاجية وتجارية.
ففي 2 سبتمبر وقعت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية خطاب نوايا مع شركة ZC Rubber الصينية لدراسة إنشاء مجمع متكامل لصناعة الإطارات باستثمارات تقديرية تبلغ 500 مليون دولار، مع توجه لا يقتصر على تصنيع الإطارات وإنما يمتد إلى بعض مدخلات الصناعة.
ثم أعلنت Shandong Linglong Tire استثمارًا بقيمة 270 مليون دولار لإنشاء مصنع في برج العرب بالإسكندرية بطاقة مستهدفة تبلغ 6 ملايين إطار نصف فولاذي سنويًا، موجهة أساسًا إلى سيارات الركوب والمركبات التجارية الخفيفة.
وبذلك يصل حجم الاستثمار المعلن والمطروح للدراسة في المشروعين الصينيين إلى نحو 770 مليون دولار، في وقت لا تزال فيه خطة إعادة إحياء «نسر» مرتبطة بمفاوضات وشريك من القطاع الخاص ومصنع جديد مقترح على أرض العامرية.
ولا يعني دخول الشركات الصينية في حد ذاته وجود علاقة بين تصفية الشركة المصرية والاستثمارات الجديدة، كما لا يوفر النص المطروح دليلًا على أن قرار التصفية اتُخذ لصالح مستوردين أو مستثمرين بعينهم، إلا أن التزامن يفتح بابًا مشروعًا لمناقشة السياسة الصناعية وتوقيت القرارات.
فالصين كانت بالفعل لاعبًا رئيسيًا في سوق الإطارات المصرية قبل إنشاء المصانع الجديدة، وبلغت قيمة ما استوردته مصر منها في فئة إطارات الشاحنات والحافلات وحدها نحو 140.6 مليون دولار خلال عام 2024.
ومع انتقال الشركات الصينية من التصدير إلى التصنيع داخل مصر، يصبح التحدي الحقيقي متعلقًا بحجم المكون المحلي ونقل التكنولوجيا وتدريب العمالة وإنشاء سلاسل توريد مصرية، حتى لا يتحول خفض الواردات النهائية إلى اعتماد جديد على استيراد معظم مدخلات الإنتاج.
أسئلة التصفية لم تنته
أثارت قصة «نسر» مخاوف وانتقادات متداولة بين مواطنين وكتاب وصحفيين، خاصة مع استمرار الحاجة إلى الإطارات وظهور مستثمرين أجانب قادرين على ضخ مئات الملايين من الدولارات في القطاع نفسه الذي خرجت منه الشركة الوطنية بعد عقود من النشاط.
وتساءلت ليلى وهبي يوسف عن منطق التخلي عن منشأة صناعية في وقت تحتاج فيه البلاد إلى العملات الأجنبية لتمويل الواردات، كما طرحت سؤال المستفيد من استمرار فتح أبواب الاستيراد، بينما تحدث شريف سرحان وسلامة عن ما وصفاه بـ«مافيا الاستيراد».
وتظل هذه الأوصاف اتهامات وآراء تحتاج إلى أدلة مستقلة قبل التعامل معها باعتبارها حقيقة، إلا أن انتشارها يعكس أزمة ثقة حول القرار، خاصة أن التصفية أعقبها سريعًا حديث رسمي عن التفاوض مع مستثمرين لإنشاء مصنع جديد وإحياء العلامة نفسها.
كما تساءلت الصحفية هاجر صلاح عن كيفية وصول مصنع ينتج سلعة لا يتوقف الطلب عليها إلى خسائر تنتهي بالتصفية، وهو سؤال يعيد النقاش إلى الإدارة والاستثمار والتكنولوجيا ومدخلات الإنتاج، وليس إلى حجم الطلب وحده.
وتمتلك صناعة الإطارات سلسلة طويلة من المدخلات تشمل المطاط الصناعي وأسلاك الصلب والمنسوجات وأسود الكربون والزيوت والمواد الكيميائية، ما يجعل بناء صناعة وطنية متكاملة أوسع كثيرًا من مجرد إنشاء خطوط لتجميع أو تصنيع المنتج النهائي.
ولذلك ستتحدد قيمة الاستثمارات الجديدة بما تتركه داخل الاقتصاد المصري من تكنولوجيا ومكونات محلية وفرص عمل وصادرات وسلاسل توريد، لا بمجرد قيمة الأموال المعلنة أو عدد الإطارات المتوقع إنتاجها.
ويبقى السؤال المفتوح بعد تصفية «نسر»: هل تستفيد مصر من الاستثمار الأجنبي لبناء صناعة إطارات متكاملة وإعادة العلامة الوطنية إلى السوق، أم يسبق المصنع الصيني عودة «نسر» بسنوات، لتظل العلامة التاريخية وعدًا مؤجلًا بينما تتشكل خريطة الصناعة الجديدة من دونها؟

