تراجعت حركة سفن السلع عبر مضيق هرمز يوم الثلاثاء إلى ثلاث سفن فقط، مقابل أربع سفن في اليوم السابق، وبفارق واسع عن المتوسط المتحرك لعشرة أيام البالغ نحو 15 سفينة.
ويأتي هذا الهبوط بينما تراقب أسواق الطاقة والملاحة كل تغير في حركة المضيق، لأن تراجع العبور لا يعني إغلاقه بالكامل، لكنه يضيف ضغوطاً على الإمدادات والتأمين وتكاليف الشحن العالمية.
هرمز عند أدنى حركة
وفي هذا السياق، أظهرت بيانات التتبع الأولية أن السفن الثلاث كانت تغادر المضيق، ومن بينها ناقلة من فئة باناماكس، وهو ما يعكس استمرار محدودية الحركة المرصودة مقارنة بالمستويات المعتادة.
كما تبقى هذه الأرقام قابلة للتعديل، لأن بعض السفن توقف أجهزة التعريف الآلي أثناء الإبحار في مناطق التوتر، ما يجعل الأعداد المرصودة أقل من الحركة الفعلية المحتملة في بعض الفترات.
كذلك عادت ناقلة الغاز الطبيعي المسال «ألمفير» للظهور داخل المضيق يوم الثلاثاء، بعدما كان آخر رصد معلن لها خارج الممر المائي في 19 سبتمبر، وسط متابعة دقيقة لتحركات ناقلات الغاز.
ومن جهة أخرى، فإن أهمية هرمز تتجاوز عدد السفن اليومية، لأن الممر كان يحمل قبل الحرب قرابة خُمس استهلاك العالم من السوائل النفطية، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً.
ووفق بيانات الطاقة الأميركية، بلغ تدفق النفط عبر هرمز نحو 21.6 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من 2025، قبل أن يهبط إلى نحو 4.9 مليون خلال الربع الثاني من 2026.
وفوق ذلك، يوضح هذا الانخفاض مدى اتساع الفجوة بين الطاقة الطبيعية للممر وحجم التدفقات الحالية، وهي فجوة تعيد ترتيب مسارات الشحن وتدفع المستوردين إلى البحث عن بدائل أكثر كلفة وتعقيداً.
وفي المقابل، لا يعني انخفاض السفن أن كل الإمدادات متوقفة، إذ تستخدم بعض الشحنات مسارات بديلة أو خطوط أنابيب، بينما تواصل سفن أخرى المرور وسط قيود أمنية وتشغيلية أشد.
وعلى صعيد المخاطر، تؤدي فترات التراجع الحاد في العبور عادة إلى زيادة أقساط التأمين وتكاليف النقل وتأخير التسليم، وهي عناصر يمكن أن تنتقل تدريجياً إلى أسعار النفط والغاز والسلع المرتبطة بالطاقة.
باب المندب يحافظ على الحركة
وفي باب المندب، عبرت 22 سفينة تحمل سلعاً أولية يوم الثلاثاء، وهو مستوى أعلى كثيراً من هرمز، لكنه ظل أقل من متوسط الأيام العشرة السابقة البالغ نحو 26 سفينة.
كما أظهرت حركة الاتجاهات أن 14 سفينة اتجهت نحو البحر الأحمر، مقابل ثماني سفن نحو خليج عدن، ما يؤكد استمرار الممر كحلقة رئيسية بين آسيا والبحر الأحمر والأسواق الأوروبية.
كذلك تنوعت السفن العابرة بين خمس ناقلات باناماكس وست سفن سوبراماكس وأربع ناقلات أفراماكس وناقلة سويزماكس وناقلة نفط خام عملاقة، بما يعكس استمرار مرور شحنات كبيرة ومتعددة الأنواع.
ومن ناحية أخرى، ارتفعت أهمية باب المندب خلال 2026 مع اضطراب هرمز، إذ زادت تدفقات النفط والسوائل عبره إلى نحو 8.1 مليون برميل يومياً في الربع الثاني.
وفوق ذلك، كان متوسط التدفقات عبر باب المندب نحو 5.4 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من 2025، ما يعني أن الممر استوعب جزءاً من إعادة توجيه التجارة بعد الاضطرابات.
وفي المقابل، تبقى قدرة باب المندب على تعويض هرمز محدودة، لأن التحويل بين المسارين يعتمد على منشأ الشحنة ووجهتها وقدرة خطوط الأنابيب والموانئ والناقلات على تحمل مسافات أطول وتكاليف إضافية.
وعلاوة على ذلك، فإن أي اضطراب متزامن في هرمز وباب المندب يضغط على طريقين أساسيين للطاقة، ويقلص هامش المناورة أمام المصدرين والمستوردين ويضاعف حساسية الأسواق تجاه الأخبار العسكرية والدبلوماسية.
وبالتالي، فإن استمرار عبور 22 سفينة لا يلغي المخاطر، لكنه يحافظ على قدر من السيولة التجارية عبر البحر الأحمر في وقت تتعرض فيه حركة الخليج لمستويات شديدة الانخفاض.
التوتر السياسي يضاعف المخاطر
وفي الخلفية السياسية، صعّد دونالد ترمب لهجته تجاه إيران خلال كلمته أمام الأمم المتحدة يوم الثلاثاء، ملوحاً بخيارات عسكرية أشد إذا تعذر الاتفاق، مع إشارته إلى احتمال تقدم دبلوماسي.
كما جاءت هذه التصريحات في وقت تحاول فيه الأطراف دفع اتصالات سياسية لإنهاء الحرب، ما يجعل حركة السفن مرتبطة ليس فقط بالعوامل التشغيلية، بل أيضاً بإشارات التفاوض والتصعيد المتبادلة.
كذلك تظل الأسواق شديدة الحساسية لأي تغير في مسار الحرب، لأن تجربة الربع الثاني من 2026 أظهرت أن تعطيل هرمز خفض تدفقات النفط بصورة حادة ورفع تقلبات الأسعار والشحن.
ومن ثم، تتعامل شركات الشحن مع المضيقين باعتبارهما مؤشرين يوميين على مستوى الخطر، إذ يمكن لهجوم واحد أو تحذير أمني جديد أن يدفع سفناً إلى الانتظار أو تغيير المسار.
وفي الوقت نفسه، تتوقع تقديرات الطاقة الأميركية استمرار القيود على حركة هرمز خلال الربع الأخير من 2026، مع بقاء ملايين البراميل من إنتاج المنطقة خارج السوق بسبب صعوبة التصدير.
وبناء على ذلك، فإن رقم ثلاث سفن في يوم واحد لا يمثل مجرد تراجع إحصائي، بل يعكس هشاشة مسار تعتمد عليه اقتصادات آسيوية بصورة كبيرة للحصول على النفط والغاز من الخليج.
وفي المقابل، يوفر بقاء باب المندب عند 22 سفينة بعض المرونة للتجارة البحرية، لكنه يظل معرضاً بدوره لتأثير الصراع في اليمن وأي تصعيد قد يطال الملاحة أو المنشآت الساحلية.
وفي النهاية، تضع أرقام هرمز وباب المندب العالم أمام مشهد غير متوازن: ممر خليجي يعمل بأقل كثيراً من متوسطه، وممر بحري آخر يتحمل ضغوطاً أكبر دون أن يمتلك قدرة مفتوحة على التعويض.

