على مدار أجيال متعاقبة، نُظر إلى الهرم الأكبر في الجيزة باعتباره أحد أفخم الصروح الجنائزية في التاريخ، إلا أن أبحاثًا جديدة تُشكّك في هذا الإجماع الأثري الممتد لآلاف السنين. 

 

وتتمحور علامات الاستفهام حول "غرفة الملك" في هرم خوفو، والتي يتربع في منتصفها صندوق ضخم من الجرانيت، والذي وُضع في هذا المكان منذ المراحل الأولى للبناء، لكنه يقف فارغًا تمامًا دون أي أثر لبقايا آدمية. 

 

وقالت القناة 14 الإسرائيلية، إنه في حين تعزو الرواية السائدة غياب المومياء إلى تعرض المقبرة للنهب في العصور القديمة، تذهب الأطروحة الجديدة إلى أن الغرفة صُممت لتظل فارغة منذ البداية، وأن الصرح العملاق لم يُبْنَ ليكون موقعًا للدفن أساسًا.

 

 

"كود دافنشي المصري"

 

يزعم سفي ليفي، الباحث الإسرائيلي، أن الهرم هو في واقع الأمر مستودع معلومات عتيق شُيد من الحجر. وبدلاً من النظر إلى الهرم باعتباره خزنة لحفظ المقتنيات الثمينة أو جثمان الملك، يوضح ليفي أن البناء نفسه هو الشيء الثمين؛ فهو بمثابة "كتاب علمي" هائل صُمم ليبقى إلى الأبد. 

 

وتحاول نظريته، التي وصفتها وسائل إعلام عالمية بـ "كود دافنشي المصري"، إثبات أن ارتفاع الهرم، وعرضه، وزاوية ميله لم تُختر عشوائيًا، بل هُندست بدقة لاستعراض ظواهر فلكية محددة.

 

ولإثبات فرضيتة، لم يعتمد ليفي على وحدات القياس الحديثة كالسنتيمتر أو المتر، بل لجأ إلى المقاييس وطرق الحساب التي كانت مألوفة لدى المصريين القدماء أنفسهم وفقًا للوثائق التاريخية؛ حيث أخذ أبعاد القاعدة والارتفاع الخاصة بالهرم، وأجرى عليها عمليات رياضية بسيطة مما كانت شائعة في تلك الحقبة. 

 

وجاءت النتائج مذهلة بالنسبة له، إذ تطابقت الأرقام بدقة متناهية مع الدورات الفلكية للأجرام السماوية؛ مثل المدة التي يستغرقها القمر للوصول إلى أقرب نقطة من الأرض (27.5 يومًا)، وعدد الأيام التي يختفي فيها نجم "سيريوس" خلف ضوء الشمس (70 يومًا)، وهو الرقم الذي شكّل أساس التقويم المصري القديم.

 

 

مصادفة أم تخطيط؟


وللتأكد من أن هذه الأرقام ليست مجرد مصادفة بحتة، أُجري فحص عبر محاكاة حاسوبية شملت 100 ألف هرم بأبعاد عشوائية تمامًاً. وأظهرت النتائج أن نسبة ضئيلة جدًا لا تتعدى 2.4% فقط من هذه الأهرامات الافتراضية يمكنها إنتاج أرقام تتوافق مع الظواهر الطبيعية بهذه الدقة. 

 

ومن وجهة نظر ليفي، فإن هذا المعطى يمثل دليلاً قاطعًا على أن البناة القدماء كانوا يعرفون بدقة ما يفعلونه، وأنهم صمموا المبنى ليكون شاهدًا حيًا على معارفهم الفلكية.

 

وعلى الرغم من حالة الحماس التي تحيط بهذه الفرضية، فإن علماء المصريات التقليديين لا يبدون أي تسرع في الاقتناع بها؛ إذ يذكرون بأنه لم يُعثر حتى يومنا هذا على أي وثيقة قديمة تشير صراحة إلى أن الأهرامات بُنيت لتشفير معلومات فلكية، فضلاً عن أن الهرم الأكبر يقع في قلب جبانة ملكية ضخمة مكرسة بالكامل لدفن الموتى. 

 

وعلى الرغم من أن الأطروحة الجديدة تفتح الباب أمام نظريات مثيرة للاهتمام، إلا أنه وحتى يتم فحص هذه الفرضية وإثباتها بشكل قاطع من قِبل خبراء آخرين، سيظل الهرم الأكبر في الجيزة محافظًا على أسراره الدفينة بين أحجاره.

https://www.c14.co.il/article/1703123#google_vignette