دخل رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي في إضراب مفتوح عن الطعام والدواء، احتجاجًا على استمرار عزله داخل محبسه ومنع أفراد أسرته ومحاميه من زيارته أو الاطمئنان إلى حالته الصحية، بحسب ما أعلنته هيئة الدفاع عنه، التي حذرت من خطورة الإجراء على حياته في ظل بلوغه 85 عامًا ومعاناته من وضع صحي دقيق.

 

ويمثل الإضراب الحالي ثاني تحرك من نوعه ينفذه الغنوشي خلال فترة قصيرة، بعدما أضرب عن الطعام في يوليو الماضي اعتراضًا على منع محاميه من زيارته أثناء وجوده في المستشفى. وتثير حالته مخاوف متزايدة لدى عائلته وفريق دفاعه، خصوصًا مع انقطاع المعلومات عنه ورفض الطلبات المقدمة للسماح بزيارته أو تمكين أطباء مستقلين من فحصه.

 

عزلة كاملة بعد المستشفى

 

أعلنت هيئة الدفاع عن الغنوشي أن السلطات نقلته إلى المستشفى خلال الشهر الماضي عقب تدهور وضعه الصحي، لكنها فرضت عليه منذ ذلك الحين عزلة كاملة، ومنعت أسرته ومحاميه من زيارته أو التواصل المباشر معه.

 

وأكدت الهيئة، في بيان صدر الاثنين، أنها لم تحصل على أي معلومات بشأن وضعه الصحي طوال 12 يومًا، رغم الطلبات المتكررة التي قدمتها إلى الجهات المعنية. وقالت إن غياب المعلومات يضاعف القلق بشأن سلامته، خاصة مع عدم معرفة طبيعة الرعاية الطبية التي يتلقاها أو مدى انتظام حصوله على الأدوية اللازمة.

 

وبحسب الهيئة، قرر الغنوشي بدء إضرابه الجديد احتجاجًا على ظروف عزله وحرمانه من حقوق الزيارة والتواصل، إلى جانب اعتراضه على الغموض الذي يحيط بحالته الصحية منذ نقله إلى المستشفى

.

ولا تقتصر خطورة الإضراب على الامتناع عن الطعام، إذ يشمل كذلك التوقف عن تناول الدواء، ما قد يؤدي إلى مضاعفات صحية سريعة بالنظر إلى تقدمه في العمر والأمراض التي يعاني منها. ولهذا حمّلت هيئة الدفاع السلطات مسؤولية سلامته الجسدية وما قد يترتب على استمرار الوضع الحالي.

 

ووصفت الهيئة ما يتعرض له رئيس حركة النهضة بأنه تنكيل قاس وغير إنساني وانتهاك خطير لحقوقه الأساسية، مؤكدة أن حرمان المحتجز من الاتصال بعائلته ومحاميه، خصوصًا خلال وجوده بالمستشفى، يثير تساؤلات جدية بشأن ظروف احتجازه وضمان حصوله على الرعاية اللازمة.

 

ثاني إضراب خلال أيام

 

يعد الإضراب الحالي الثاني الذي يخوضه الغنوشي في غضون أيام، بعدما نفذ إضرابًا سابقًا خلال يوليو الماضي احتجاجًا على منع محاميه من زيارته في المستشفى، وفق ما أكده محامي الدفاع فؤاد الغنوشي.

 

ويكشف تكرار الإضراب عن فشل المحاولات السابقة في ضمان حقوق الغنوشي في الزيارة والتواصل، إذ لم تؤدِ احتجاجاته ولا مطالب هيئة الدفاع إلى تغيير ملموس في ظروف احتجازه أو رفع العزلة المفروضة عليه.

 

ويستخدم الغنوشي الإضراب عن الطعام وسيلة للاحتجاج على ما يعتبره فريقه القانوني إجراءات تعسفية تستهدف عزله عن العالم الخارجي. غير أن إضرابه عن الدواء يرفع مستوى الخطورة، لأن تدهور حالته قد يحدث خلال وقت قصير، ولا سيما في غياب رقابة مستقلة على وضعه الصحي.

 

وتشدد هيئة الدفاع على أن تمكين المحامي من زيارة موكله لا يمثل مطلبًا استثنائيًا، بل حقًا أساسيًا يرتبط بضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة. كما ترى أن منع الأسرة من الاطمئنان إليه يزيد من المعاناة النفسية التي يتعرض لها الغنوشي وعائلته.

 

وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من الانتقادات التي توجهها قوى تونسية ومنظمات حقوقية إلى أوضاع السجناء السياسيين والمعارضين. وتتهم حركة النهضة السلطات باستخدام القضاء وإجراءات الاحتجاز لإقصاء الخصوم، بينما تنفي السلطة التونسية وجود معتقلين بسبب مواقفهم، وتؤكد أن الملفات تخضع للقضاء.

 

مطالب بفحص طبي مستقل

 

طالبت عائلة الغنوشي في نهاية يوليو بالسماح لأطباء مستقلين بمعاينته وتقييم حالته، إلى جانب رفع القيود المفروضة على زيارات أسرته ومحاميه. وجاءت المطالب في بيان وقعته ابنته تسنيم الخريجي نيابة عن العائلة ونشرته عبر حسابها على منصة فيسبوك.

 

ودعت العائلة إلى السماح غير المشروط بزيارته، وتسليمها وفريق الدفاع ملفه الطبي كاملًا وبصورة شفافة، حتى تتمكن من معرفة التشخيص والإجراءات العلاجية التي خضع لها منذ نقله إلى المستشفى.

 

كما طالبت بتمكين فريق طبي مستقل من فحصه، معتبرة أن الاعتماد على معلومات مقتضبة أو غير مباشرة لا يوفر ضمانات كافية للاطمئنان إلى سلامته. وترى العائلة أن الشفافية الطبية أصبحت ضرورة ملحة في ظل تقدم الغنوشي في العمر وتكرار الأزمات الصحية.

 

ويؤكد فريق الدفاع أن السلطات تتحمل مسؤولية توفير العلاج والرعاية لكل محتجز، بصرف النظر عن الاتهامات الموجهة إليه أو مواقفه العامة. كما يحذر من أن استمرار منعه من تناول الطعام والدواء قد يضع حياته أمام خطر مباشر يصعب تداركه.

 

وتتزايد المطالبات بالكشف الفوري عن وضع الغنوشي الصحي وإنهاء عزلته والسماح لأسرته ومحاميه بزيارته، إضافة إلى إجراء فحص طبي مستقل. وتبقى الاستجابة لهذه المطالب الاختبار الأهم لمدى احترام السلطات التونسية حقوق المحتجزين وضمان سلامتهم، وسط مخاوف من أن تتحول العزلة والإضراب إلى أزمة إنسانية لا يمكن احتواء نتائجها.