في الرابع عشر من أغسطس 2013، استيقظت مصر على واحدة من أكثر الوقائع دموية وإثارة للجدل في تاريخها الحديث، عندما بدأت قوات الأمن عملية فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وسط إطلاق نار كثيف واشتباكات وحرائق وسقوط أعداد كبيرة من القتلى والمصابين.
وبعد مرور 13 عامًا على ذلك اليوم، لا تزال أحداث رابعة حاضرة في الذاكرة السياسية والحقوقية باعتبارها نقطة فاصلة أعادت تشكيل المشهد السياسي في البلاد، وتركت وراءها أسئلة متواصلة بشأن حجم الخسائر، ومدى استخدام القوة، والمسؤولية السياسية والأمنية عن سقوط الضحايا.
من عزل محمد مرسي إلى اعتصام رابعة
بدأت الأزمة السياسية التي انتهت بأحداث رابعة في الثالث من يوليو 2013، عندما أعلن وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، الدكتور محمد مرسي، وتعطيل العمل بالدستور، وتولي رئيس المحكمة الدستورية العليا عدلي منصور مهام الرئاسة بصورة مؤقتة.
جاء القرار بعد احتجاجات مدعومه من الجيش والشرطة وحركة تمرد المدعومة تمويلاً من الإمارات، ضد الرئيس محمد مرسي الذي كان قد وصل إلى السلطة عقب انتخابات رئاسية عام 2012، في أول انتخابات رئاسية نزيهه بعد ثورة يناير.
وخلال الأيام التالية، بدأت موجة من الاحتجاجات والاعتصامات المؤيدة لمرسي في عدد من المحافظات، وكان أبرزها اعتصام ميدان رابعة العدوية في مدينة نصر بالقاهرة، إلى جانب اعتصام ميدان النهضة في الجيزة.
رابعة.. مدينة داخل مدينة
على مدار أسابيع، تحول ميدان رابعة العدوية إلى مركز رئيسي للحراك المؤيد لمحمد مرسي.
أقام المعتصمون خيامًا ومخيمات ميدانية، ونُظمت الصلوات والفعاليات والخطب والمسيرات، كما أقيمت مستشفيات ميدانية لتقديم الرعاية للمصابين.
وبمرور الوقت، لم يعد الاعتصام مجرد تجمع سياسي محدود، وإنما أصبح مساحة ضخمة يعيش فيها آلاف الأشخاص بصورة شبه متواصلة.
في المقابل، تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى الاعتصام، واتهمت قوات الإنقلاب المدعومة من الامارات تقارير صحفيه كاذبه في بعض وسائل الإعلام، بوجود أسلحة داخل ميدان رابعة،.
ونفى المتظاهرين في الاعتصام هذه الاتهامات، مؤكدين أن تجمعهم كان احتجاجًا سلميًا للمطالبة بعودة مرسي إلى منصبه.
تحذيرات قبل الفض
خلال الأسابيع التي سبقت الرابع عشر من أغسطس، صدرت تحذيرات متكررة للمعتصمين بضرورة إنهاء الاعتصام، كما جرت محاولات للتوصل إلى تسوية سياسية.
لكن هذه المحاولات لم تنجح في إنهاء الأزمة.
وفي أغسطس بدأت سلطات الانقلاب في اتخاذ خطوات أكثر وضوحًا باتجاه فض الاعتصامين، بينما تمسك المعتصمون بموقفهم الرافض لإنهاء تجمعهم قبل تحقيق مطلبهم الأساسي بعودة مرسي.
وبحلول فجر الرابع عشر من أغسطس، كانت قوات الأمن قد أحاطت بميدان رابعة والمناطق المحيطة به.
صباح 14 أغسطس.. بداية اليوم الأكثر دموية
مع الساعات الأولى من صباح الأربعاء 14 أغسطس 2013، بدأت عملية فض الاعتصام.
دخلت قوات الشرطة مدعومة بآليات مدرعة إلى مناطق الاعتصام، بينما انتشرت القوات في الشوارع والمداخل المؤدية إلى الميدان، وسرعان ما اندلعت مواجهات عنيفة.
وبحسب الرواية الرسمية، تعرضت القوات لإطلاق نار من داخل الاعتصام، بينما قالت جماعة الإخوان المسلمين ومنظمات حقوقية إن قوات الأمن استخدمت القوة المفرطة ضد المعتصمين، وإن إطلاق النار استهدف أشخاصًا حاولوا الفرار أو الاحتماء.
وخلال ساعات، تحول الميدان إلى ساحة من الدخان والنيران والرصاص.
سقط شهداء ومصابون بأعداد كبيرة، ونُقلت جثامين إلى المستشفيات والمساجد والمستشفيات الميدانية، بينما واجهت الأطقم الطبية ظروفًا بالغة الصعوبة بسبب العدد الكبير من المصابين والقتلى.
المستشفى الميداني.. الوجه الآخر للمأساة
كان المستشفى الميداني داخل محيط رابعة أحد أكثر الأماكن التي عكست حجم الكارثة الإنسانية في ذلك اليوم.
استقبل الأطباء والممرضون أعدادًا متلاحقة من المصابين، بينهم أشخاص أصيبوا بطلقات نارية في مناطق مختلفة من أجسادهم.
ومع تزايد أعداد المصابين، أصبحت الإمكانات الطبية محدودة أمام حجم الإصابات، بينما امتلأت الأماكن المخصصة لحفظ الجثامين.
وبالتزامن مع استمرار إطلاق النار والاشتباكات، اندلعت حرائق في الاعتصام، وأظهرت الصور التي انتشرت في ذلك الوقت أعمدة دخان كثيفة تغطي سماء المنطقة.
وكانت تلك المشاهد من أكثر الصور التي ارتبطت لاحقًا بذاكرة رابعة.
كم بلغ عدد الشهداء؟
ظل عدد ضحايا فض رابعة من أكثر الملفات إثارة للجدل حتى اليوم، بسبب الاختلاف الكبير بين الأرقام التي أعلنتها الأطراف المختلفة.
فقد أعلنت وزارة الصحة في ذلك الوقت أرقامًا أقل بكثير من تقديرات جماعة الإخوان المسلمين والمستشفى الميداني والمنظمات الحقوقية.
وأعلنت وزارة الصحة أن أحداث الفض أسفرت عن مئات الشهداء وآلاف المصابين، بينما تحدثت جماعة الإخوان عن أعداد أكبر بكثير من ذلك.
أما منظمة هيومن رايتس ووتش، فأجرت تحقيقًا استغرق عامًا تقريبًا، وخلصت في تقريرها الصادر عام 2014 إلى أن قوات الأمن استخدمت قوة مفرطة خلال فض الاعتصام، واعتبرت ما حدث من أكبر عمليات القتل الجماعي للمتظاهرين في يوم واحد في التاريخ الحديث.
ماذا قالت هيومن رايتس ووتش؟
كان تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش من أبرز التقارير الدولية التي تناولت أحداث رابعة بالتفصيل.
وقالت المنظمة إن عملية الفض اتسمت باستخدام واسع للقوة، وإن القوات الأمنية لم تلتزم، بحسب استنتاجاتها، بالمعايير المطلوبة لحماية حياة المدنيين.
كما حمّل التقرير مسؤولية سياسية وأمنية للقيادات المصرية التي أشرفت على العملية.
يوم غير وجه السياسة المصرية
لم تنتهِ قصة رابعة بانتهاء الاعتصام.
فالأحداث التي وقعت في الرابع عشر من أغسطس تركت تأثيرًا عميقًا على المجتمع المصري، ودفعت البلاد إلى مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي.
بعد فض الاعتصام، بدأت موجة واسعة من الاعتقالات والمحاكمات بحق المعارضين للانقلاب العسكري.
وهكذا أصبحت رابعة رمزًا ليس فقط لعملية الفض، وإنما للمرحلة السياسية التي بدأت بعدها.
أربعة أصابع تحولت إلى رمز
من بين أكثر النتائج الرمزية لأحداث رابعة ظهور إشارة اليد ذات الأصابع الأربعة، التي أصبحت تعرف باسم "شارة رابعة".
انتقلت الإشارة سريعًا من الميدان إلى الشوارع والجامعات والمظاهرات، ثم إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت رمزًا يستخدمه أنصار مرسي ومعارضين الانقلاب العسكري الدموي عن رفضهم لما حدث.
وفي السنوات التالية، ظهرت الإشارة في مظاهرات خارج مصر، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وفي مناسبات سياسية وإعلامية مختلفة.
وبذلك تجاوزت رابعة حدود المكان لتتحول إلى رمز سياسي عالمي مرتبط بالأحداث المصرية في صيف 2013.
ردود الفعل الدولية
أثارت أحداث فض رابعة إدانات وانتقادات دولية واسعة.
وأعربت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس باراك أوباما عن رفضها لاستخدام العنف ضد المتظاهرين، كما أعربت الأمم المتحدة عن القلق البالغ إزاء سقوط أعداد كبيرة من القتلى.
وكانت تركيا من أبرز الدول التي انتقدت السلطات المصرية بشدة، حيث اتخذ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان موقفًا حادًا تجاه عملية الفض والقيادة المصرية الجديدة.
رابعة في الذاكرة الحقوقية
بعد سنوات من الأحداث، لم تختفِ رابعة من التقارير الحقوقية الدولية.
وظلت منظمات حقوق الإنسان تستشهد بها عند الحديث عن استخدام القوة ضد المتظاهرين، والمسؤولية عن القتل الجماعي، وحقوق المعتقلين والمحاكمات التي أعقبت الأحداث.

