أشعلت أزمة تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين إلى جيب سبتة الإسباني شمال المغرب مواجهة أوروبية جديدة، بعدما أعادت إيطاليا فرض إجراءات رقابة على المسافرين القادمين من إسبانيا، وسط دعوات في عدد من الدول لتشديد التعامل مع مدريد وتحميلها مسؤولية منع انتقال المهاجرين إلى بقية دول القارة.
وجاء التصعيد بعد مشاهد غير مسبوقة على الحدود المغربية الإسبانية، دفعت مدريد إلى تعزيز وجودها الأمني وتسريع إعادة المهاجرين، بينما تحولت الأزمة سريعًا من ملف حدودي بين إسبانيا والمغرب إلى اختبار جديد لقدرة منطقة شنغن على الصمود أمام موجات الهجرة والخلافات السياسية بين حكومات الاتحاد الأوروبي.
شنغن تحت ضغط الهجرة
تعد منطقة شنغن أحد أهم مشروعات التكامل الأوروبي، إذ تسمح بحرية الحركة بين الدول المشاركة فيها دون عمليات تفتيش روتينية على الحدود الداخلية، وهو ما جعل التنقل بين معظم دول القارة أقرب إلى السفر داخل دولة واحدة.
وبدأ تطبيق النظام تدريجيًا منذ ثمانينيات القرن الماضي، قبل إلغاء عمليات التفتيش بين عدد من الدول الأوروبية عام 1995، ثم توسعت المنطقة تباعًا حتى أصبحت تضم 29 دولة أوروبية بين أعضاء في الاتحاد الأوروبي ودول من خارجه.
وتشمل المنطقة حاليًا معظم دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب أيسلندا وليختنشتاين والنرويج وسويسرا، بينما تمثل حرية التنقل داخلها أحد أكثر المكاسب الملموسة للمواطنين والشركات والسياحة والتجارة في أوروبا.
لكن أزمة سبتة أعادت فتح النقاش حول حدود هذه الحرية عندما تواجه إحدى الدول تدفقًا مفاجئًا وكبيرًا للمهاجرين، وما إذا كان لدول أخرى الحق في اتخاذ إجراءات لمنع وصول هؤلاء إلى أراضيها عبر دولة عضو أخرى.
إيطاليا اختارت التحرك بإعادة فرض ضوابط مؤقتة على القادمين من إسبانيا عبر الرحلات الجوية والبحرية، رغم عدم وجود حدود برية مشتركة بين البلدين، في خطوة أثارت غضب مدريد واعتبرها منتقدون ذات طابع سياسي ورمزي أكثر من كونها استجابة لخطر مباشر.
كما أبدت حكومات أوروبية أخرى قلقها من حجم الأزمة، وظهرت مطالب بإجراء مناقشات طارئة على مستوى الاتحاد الأوروبي، ما يعكس مخاوف أوسع من أن تتحول سبتة إلى بوابة لحركة ثانوية للمهاجرين داخل القارة إذا لم تسيطر إسبانيا على الموقف.
هل يمكن طرد إسبانيا؟
رغم التصريحات السياسية التي تتحدث عن تعليق عضوية إسبانيا أو إخراجها من شنغن، لا توفر القواعد الأوروبية آلية بسيطة تسمح لدولة عضو بطرد دولة أخرى من المنطقة بسبب أزمة هجرة أو خلاف بشأن إدارة الحدود.
فالقانون المنظم لشنغن يقوم أساسًا على التزام الدول المشتركة بإدارة حدودها الخارجية وحماية حرية التنقل الداخلية، لكنه يسمح في المقابل بإعادة فرض الرقابة على بعض الحدود بصورة مؤقتة إذا ظهر تهديد خطير للنظام العام أو الأمن الداخلي.
وتوضح قواعد الاتحاد الأوروبي أن مثل هذه الرقابة يجب أن تكون إجراءً استثنائيًا وأخيرًا، وأن تقتصر مدتها ونطاقها على الحد الضروري لمواجهة الخطر، ولا يجوز تحويلها إلى إلغاء دائم لمبدأ حرية الحركة بين الدول الأعضاء.
كما أضيفت إلى قواعد شنغن حالات تشمل التدفقات المفاجئة والواسعة وغير المصرح بها لمواطني دول ثالثة بين الدول الأعضاء عندما تشكل ضغطًا شديدًا على السلطات وتهدد عمل منطقة الحدود المفتوحة بصورة عامة.
ولهذا تستطيع إيطاليا أو فرنسا مثلًا فرض تدقيق مؤقت على القادمين من إسبانيا إذا استوفت الشروط القانونية، لكنها لا تستطيع بمفردها إصدار قرار يلغي عضوية مدريد أو يحرم الإسبان نهائيًا من مزايا اتفاقية شنغن.
ويبرز هنا فارق أساسي بين «تعليق حرية المرور مؤقتًا» و«إخراج دولة من شنغن»، إذ يمكن تنفيذ الخيار الأول في حالات استثنائية، بينما لا يوجد مسار قانوني معتاد يسمح لأي حكومة بطرد دولة أخرى بصورة منفردة من النظام.
أزمة سبتة تتجاوز الحدود
تكتسب الأزمة حساسية إضافية بسبب الموقع الجغرافي لسبتة، فالمدينة الإسبانية تقع في شمال إفريقيا عند الحدود مع المغرب، ولذلك لا تعني سيطرة مهاجر على أراضي الجيب تلقائيًا قدرته على السفر دون قيود إلى البر الإسباني أو بقية أوروبا.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن الأولوية يجب أن تبقى حماية الحدود الخارجية والتعامل مع المهاجرين الموجودين في سبتة، بدل القفز مباشرة إلى إجراءات تعطل حركة ملايين المواطنين بين الدول الأوروبية.
في المقابل، تخشى حكومات متشددة تجاه الهجرة من أن تتحول أي ثغرة في الحدود الخارجية إلى أزمة داخلية مشتركة، خصوصًا مع وجود شبكة مواصلات واسعة وغياب الرقابة المنتظمة بين غالبية دول شنغن.
وقد أدت الأزمة بالفعل إلى توتر سياسي واضح بين مدريد وروما، بعدما رفضت إسبانيا الإجراءات الإيطالية واتهمت منتقديها باستغلال ملف المهاجرين، في حين تقول الحكومة الإيطالية إن من حقها اتخاذ خطوات تمنع وصول تدفقات غير نظامية إلى أراضيها.
وتحولت القضية بذلك إلى مواجهة حول تقاسم المسؤولية داخل الاتحاد الأوروبي، وهي مشكلة تتكرر منذ سنوات مع كل موجة هجرة كبيرة تصل إلى إيطاليا أو اليونان أو إسبانيا أو دول البحر المتوسط.
فالبلدان الواقعة على الحدود الخارجية تطالب بتوزيع الأعباء على بقية الاتحاد، بينما تصر دول أخرى على أن حماية تلك الحدود مسؤولية الدولة التي يصل إليها المهاجرون أولًا، وهو خلاف لم تنجح الإصلاحات الأوروبية المتعاقبة في إنهائه بالكامل.
وتؤكد المفوضية الأوروبية أن إعادة الرقابة الداخلية ينبغي أن تظل خيارًا أخيرًا يخضع لمبدأي الضرورة والتناسب، لأن التوسع فيه قد يحول الاستثناء إلى قاعدة ويهدد أحد الأعمدة الأساسية لمشروع الاتحاد الأوروبي.
وفي النهاية، تبدو إمكانية إخراج إسبانيا من شنغن بعيدة قانونيًا، لكن أزمة سبتة أثبتت أن الدول قادرة على تقليص حرية الحركة مؤقتًا عندما تشعر بأن حدودها مهددة، وهو ما يضع أوروبا أمام معادلة صعبة بين حماية الحدود والحفاظ على فضاء التنقل المفتوح.
وإذا استمرت موجات الهجرة والخلافات بين الحكومات، فقد لا يكون الخطر الحقيقي في طرد إسبانيا أو غيرها من شنغن، بل في توسع الدول تدريجيًا في إعادة الرقابة الحدودية، بما يفرغ الاتفاقية من مضمونها دون الحاجة إلى إلغائها رسميًا.

