أعلنت تصريحات منسوبة إلى عضو بهيئة التدريس بكلية الطب في جامعة جنوب الوادي بقنا تأييد رسوب نحو 67% من طلاب الفرقة الأولى، واعتبار النسبة مصدر فخر يعكس الالتزام بالمعايير الأكاديمية، ما أثار موجة واسعة من الجدل والانتقادات بين الطلاب وأولياء الأمور.

 

وفي ظل اتساع الغضب، تعيد الواقعة طرح أسئلة أعمق حول أزمة التعليم الجامعي في مصر، حيث يرى منتقدون أن تحميل الطلاب وحدهم مسؤولية الإخفاق يتجاهل تراجع جودة المنظومة التعليمية، وضعف سياسات التطوير، وتراكم الأزمات التي يدفع ثمنها الطلاب والأسر.

 

أزمة القياس الأكاديمي

 

وبالتالي، يرى الدكتور حسام أبو البخاري، أستاذ التعليم الطبي، أن ارتفاع نسب الرسوب لا يمكن اعتباره مؤشرًا إيجابيًا بصورة تلقائية، لأن تقييم جودة الكليات يعتمد على سلامة أساليب التدريس والتقويم معًا، وليس على ارتفاع معدلات الإخفاق وحدها.

 

كما أن، يؤكد أبو البخاري أن الامتحانات ينبغي أن تقيس نواتج التعلم بصورة عادلة، وأن أي نتائج استثنائية تستوجب مراجعة أدوات التقييم وتحليل أسبابها، قبل تقديمها باعتبارها دليلًا على قوة المؤسسة التعليمية أو نجاحها.

 

لزيادة فهم الصورة، يلفت مراقبون إلى أن الطالب الذي يصل إلى كلية الطب يكون قد اجتاز بالفعل منافسة شديدة في الثانوية العامة، وهو ما يجعل رسوب أغلبية الدفعة دفعة واحدة مؤشرًا يستحق الدراسة لا الاحتفاء.

 

لذلك، يرى متخصصون أن نسب الرسوب المرتفعة قد تكشف فجوة بين مستوى الطلاب المتوقع ومتطلبات الدراسة، أو وجود إشكالات في طرق التدريس والدعم الأكاديمي، بما يستدعي مراجعة شاملة بدلًا من الاكتفاء بتبرير النتائج.

 

ومن ثم، يطالب أولياء أمور بإعلان بيانات تفصيلية توضح توزيع الدرجات، ونسب النجاح في كل مقرر، وأسباب الإخفاق، بما يضمن الشفافية ويبدد الشكوك التي أثارتها النتيجة بين الطلاب.

 

 

الطلاب بين الضغوط

 

غير أن، يؤكد الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي، أن الرسائل التي تربط الرسوب بالفخر قد تترك آثارًا نفسية قاسية على الطلاب، خاصة في المراحل الأولى من الدراسة الجامعية التي تشهد أعلى مستويات الضغط والتكيف.

 

علاوة على ذلك، يوضح المهدي أن البيئة التعليمية الناجحة تجمع بين الصرامة الأكاديمية والدعم النفسي، لأن غياب أحد الجانبين قد يؤدي إلى زيادة الإحباط، وتراجع الدافعية، وارتفاع معدلات الانسحاب أو التعثر.

 

بناءً على ذلك، يرى متابعون أن الخطاب الذي يحمّل الطلاب وحدهم مسؤولية الرسوب يتجاهل اختلاف الخلفيات التعليمية، ويغفل مسؤولية المؤسسات عن توفير وسائل الدعم والإرشاد والتقويم المستمر منذ بداية الدراسة.

 

وفي المقابل، يشير طلاب إلى أن الانتقال من نظام الثانوية العامة إلى الدراسة الطبية يمثل تحديًا كبيرًا، ما يجعل برامج التأهيل والمتابعة عنصرًا أساسيًا للحد من نسب التعثر المرتفعة.

 

إضافة إلى ذلك، يعتبر أكاديميون أن جودة التعليم الطبي لا تقاس فقط بعدد الناجحين أو الراسبين، وإنما بقدرة الكلية على تطوير أداء طلابها، وتحقيق التوازن بين الانضباط الأكاديمي وفرص التعلم الفعالة.

 

وفي السياق نفسه، تتزايد الدعوات لإجراء مراجعات مستقلة لنتائج الكليات التي تشهد نسب رسوب غير اعتيادية، لضمان أن تكون أدوات القياس منصفة وتعكس المستوى الحقيقي للطلاب.

 

 

جودة التعليم الطبي

 

في المقابل، يرى الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة وأستاذ التخدير، أن الحفاظ على كفاءة خريجي كليات الطب يمثل ضرورة لحماية المنظومة الصحية، وأن الالتزام بالمعايير العلمية يظل أساسًا لا غنى عنه.

 

ومع ذلك، يشدد عبد الغفار في مناسبات علمية مختلفة على أن تطوير التعليم الطبي يعتمد أيضًا على تحديث المناهج، ورفع كفاءة التدريب، وتحسين بيئة التعلم، وليس الاقتصار على تشديد معايير النجاح فقط.

 

إلى جانب ذلك، يرى مختصون أن نسب الرسوب الكبيرة تستوجب تقييمًا مؤسسيًا يشمل أداء أعضاء هيئة التدريس، وطرق الشرح، ومستوى الامتحانات، وآليات الدعم، باعتبارها عناصر مترابطة في العملية التعليمية.

 

وفي هذا الإطار، يعتبر خبراء أن إعلان نسب الرسوب دون تقديم تفسير علمي مفصل يفتح المجال أمام التكهنات، ويؤثر على ثقة المجتمع في المؤسسات التعليمية، حتى مع التأكيد على أهمية الحفاظ على الجودة.

 

أما من جهة أخرى، فيؤكد باحثون في شؤون التعليم العالي أن الكليات مطالبة بنشر مؤشرات الأداء الأكاديمي بصورة دورية، بما يسمح بقياس التطور ومعالجة أوجه القصور وفق بيانات واضحة وشفافة.

 

وفي الوقت ذاته، يرى مراقبون أن الجدل الحالي يعكس اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يركز على الإنجازات، والواقع الذي يواجهه الطلاب داخل الجامعات، في ظل تحديات أكاديمية واقتصادية متزايدة.

 

كذلك، يعتقد متابعون أن معالجة الأزمة تبدأ بالاعتراف بالمشكلة، ثم دراسة أسبابها الحقيقية، بدلًا من تحويل نسب الرسوب إلى مؤشر دعائي قد يثير مزيدًا من الغضب والتشكيك.

 

وعلى صعيد متصل، يطالب أكاديميون بإطلاق حوار واسع بين إدارات الجامعات وأعضاء هيئة التدريس والطلاب، لوضع حلول عملية ترفع جودة التعليم وتحافظ في الوقت نفسه على العدالة في التقييم.

 

وفي النهاية، تبقى واقعة رسوب 67% من طلاب الفرقة الأولى بكلية الطب في جامعة جنوب الوادي اختبارًا جديدًا لقدرة المؤسسات التعليمية على تحقيق التوازن بين الصرامة الأكاديمية، والشفافية، والمسؤولية تجاه الطلاب والمجتمع.

 

وأخيرًا، يؤكد الجدل الدائر أن الثقة في التعليم الطبي لا تُبنى عبر ارتفاع نسب الرسوب أو النجاح وحدها، وإنما عبر منظومة متكاملة تضمن تعليمًا عادلًا، وتقييمًا منصفًا، وخريجًا يمتلك الكفاءة التي يحتاجها المجتمع.