أبقت وزارة الصحة آلاف خريجي العلاج الطبيعي من دفعة 2023 خارج التكليف في مصر، بعدما اختارت 2772 خريجا من نحو 5400، وفق الاحتياج والمجموع، لتترك الباقين أمام بطالة ورواتب خاصة متدنية.

 

ويكشف القرار حصاد سنوات من التوسع غير المحسوب في إنشاء الكليات، ثم تحميل الخريجين وحدهم فاتورة عجز الدولة عن التخطيط، بعدما أنفقت أسرهم مدخراتها على دراسة طويلة انتهت بمصير مهني غامض.

 

وبحسب استغاثة الخريجة آية أبو زيد من جامعة كفر الشيخ، فوجئ خريجو دفعتي 2023 و2024 بتطبيق سياسة التكليف حسب الاحتياج، رغم التحاقهم بالكليات قبل إعلان الضوابط الجديدة وتغيير قواعد المسار الوظيفي.

 

وأوضحت أبو زيد أن سنوات الدراسة والتدريب حملت الأسر أعباء مالية كبيرة، بينما لم توفر الحكومة مسارا واضحا بعد التخرج، ما أدخل آلاف الشباب في دوامة قلق وإحباط وتهديد مباشر لاستقرارهم الاجتماعي.

 

وفي المقابل، تعرض وظائف القطاع الخاص رواتب تتراوح بين 2000 و3000 جنيه، وهي أجور لا تناسب مدة التأهيل أو مسؤولية أخصائي العلاج الطبيعي، ولا تكفي لتغطية أبسط الاحتياجات المعيشية في ظل الغلاء.

 

تكليف جزئي مرتبك

 

وبداية، أعلنت الوزارة تكليف 2772 خريجا من دفعة 2023، من إجمالي يقارب 5400 خريج على مستوى الجمهورية، واعتمدت الاحتياج الفعلي والمجموع التراكمي والرغبات، ما ترك قرابة نصف الدفعة خارج التوزيع الحكومي.

 

ومن جانبه، أكد سامي سعد نقيب العلاج الطبيعي أن التكليف أصبح مرتبطا باحتياجات سوق العمل وليس حقا شاملا لكل الخريجين، مرجعا الأزمة إلى الزيادة الكبيرة في أعداد المقبولين والكليات خلال السنوات الماضية.

 

غير أن تفسير الأزمة بكثرة الخريجين لا يعفي الجهات الرسمية من مسؤوليتها، لأنها سمحت بفتح الكليات واعتمدت برامجها وقبلت أعدادا متزايدة، ثم غيرت قواعد التشغيل بعد أن أكمل الطلاب سنوات دراستهم.

 

إضافة إلى ذلك، يبلغ عدد كليات العلاج الطبيعي نحو 75 كلية بين حكومية وخاصة وأهلية وأجنبية، وفق تصريحات النقابة، وهو توسع لم يصاحبه تقدير معلن ودقيق لاحتياجات المستشفيات أو قدرات سوق العمل.

 

وعليه، تحول التعليم الجامعي في هذا التخصص إلى مسار واسع للقبول وتحصيل المصروفات، بينما بقيت فرص التدريب والتكليف والتوظيف أضيق كثيرا، بما صنع فائضا كان يمكن توقعه وتجنبه بالتخطيط المبكر.

 

ومن ناحية أخرى، لا تقدم الوزارة حتى الآن خريطة تفصيلية معلنة توضح عدد الوظائف الشاغرة بكل محافظة ومنشأة، وهو ما يضعف الثقة في معيار الاحتياج ويترك الخريجين أمام أرقام غير قابلة للمراجعة.

 

وبالتالي، يطالب المتضررون بنشر معايير الاختيار ودرجات القبول والاحتياجات الفعلية كاملة، حتى لا يتحول التكليف الجزئي إلى باب جديد للتمييز أو الشكوك، وحتى يعرف كل خريج أساس استبعاده بصورة واضحة.

 

عجز يقابله فائض

 

وفي سياق متصل، قالت آية أبو زيد إن مستشفيات جامعية ووحدات للطب الرياضي ومناطق محرومة من الخدمة تعاني نقصا فعليا، بينما يبقى خريجون مؤهلون بلا عمل رغم قدرتهم على سد هذه الفجوات.

 

كما أن توزيع الخريجين على المناطق التي تفتقر إلى خدمات العلاج الطبيعي يمكن أن يخدم المرضى والدولة معا، بشرط توفير درجات مالية وأجور عادلة وتجهيزات تسمح للأخصائيين بأداء دورهم بصورة مهنية.

 

وبدوره، أوصى شريف باشا رئيس لجنة الصحة بمجلس النواب بإعادة النظر في تقديرات الاحتياج وزيادة أعداد المكلفين، بما يوازن بين مصلحة الدولة واحتياجات المرضى وحقوق خريجي العلاج الطبيعي معا.

 

ومع ذلك، تكشف التوصية البرلمانية أن الأرقام المعتمدة ليست قدرا نهائيا، وأن هناك مساحة لمراجعتها إذا جرى حصر العجز الحقيقي داخل المستشفيات الجامعية والوحدات الرياضية والمناطق الأقل حصولا على الخدمة.

 

وفوق ذلك، يؤدي ترك الخريجين بلا مسار مهني إلى إهدار سنوات من التعليم والتدريب، بينما تستمر منشآت صحية في العمل بأعداد محدودة، في تناقض يكشف سوء توزيع الموارد البشرية أكثر مما يعكس غياب الحاجة.

 

وفي الأثناء، يتحمل المرضى نتيجة هذا الخلل عبر قوائم انتظار أطول أو الاضطرار للسفر إلى مدن أخرى، رغم وجود آلاف الخريجين القادرين على تقديم الخدمة إذا وفرت الدولة مواقع عمل مناسبة.

 

وبناء على ذلك، لا ينبغي اختزال المشكلة في بند الدرجات المالية، لأن كلفة البطالة وهجرة الكفاءات وتراجع الخدمات الصحية قد تكون أكبر من كلفة استيعاب الخريجين وفق خطة توزيع مدروسة.

 

حقوق مؤجلة بلا ضمان

 

أما علاء بلبع رئيس لجنة قطاع العلاج الطبيعي بالمجلس الأعلى للجامعات، فقد دعا إلى إعداد إحصاء دقيق للخريجين وضبط سياسات القبول والتوزيع الجغرافي، بما يواكب الاحتياجات الفعلية لسوق العمل.

 

لذلك، يصبح مطلوبا وقف التوسع العشوائي في إنشاء الكليات، وربط أعداد المقبولين بتوقعات الطلب الفعلي، مع إعلان هذه البيانات للطلاب قبل الالتحاق حتى لا يكتشفوا الأزمة بعد ست سنوات من الدراسة.

 

إلى جانب ذلك، يجب حماية خريجي الدفعات التي التحقت قبل تطبيق الضوابط الجديدة عبر ترتيبات انتقالية عادلة، لأن تغيير القواعد بأثر عملي لاحق يقوض الثقة في سياسات التعليم والتوظيف الحكومية.

 

وبالمثل، تحتاج الدولة إلى فتح مسارات تشغيل إضافية داخل التأمين الصحي والمستشفيات الجامعية ومراكز الشباب والطب الرياضي والرعاية المنزلية، بدلا من حصر فرص الخريجين في تكليف محدود أو سوق خاص هش.

 

ومن ثم، يتطلب الحل وضع حد أدنى عادل لأجور أخصائيي العلاج الطبيعي في القطاع الخاص، مع تشديد الرقابة على المنشآت التي تستغل البطالة لفرض رواتب تقل عن تكاليف الانتقال والمعيشة اليومية.

 

علاوة على ذلك، ينبغي للنقابة ووزارتي الصحة والتعليم العالي إعداد قاعدة بيانات موحدة تشمل أعداد الطلاب والخريجين والوظائف والعجز الجغرافي، وتحديثها سنويا قبل قبول دفعات جديدة أو افتتاح كليات إضافية.

 

وفي المحصلة، لا يطالب الخريجون بامتياز استثنائي، بل بمسار مهني واضح وفرصة عادلة تليق بتأهيلهم، وبسياسة لا تبيع لهم حلم العمل أثناء الدراسة ثم تواجههم بعد التخرج بحسابات عجز الموازنة.

 

وأخيرا، تبقى أزمة دفعتي 2023 و2024 اختبارا لمدى احترام الدولة لتعهداتها تجاه الشباب، إذ يمكنها مراجعة الاحتياج وتوسيع التوزيع، أو ترك آلاف المؤهلين للبطالة والاستغلال بعد سنوات من الدراسة المكلفة.