كشف مصدر بوزارة البترول خروج سفينة التغويز إنرجوس وينتر من الخدمة في ميناء دمياط، بعد فصلها عن الشبكة القومية، ليتوقف ضخ 650 مليون قدم مكعب يوميا تمثل نحو 9.5 بالمئة من استهلاك السوق المحلية.
ويفضح توقف سفينة واحدة قدرة ضربة محدودة على إرباك ما يقارب عُشر إمدادات البلاد، بعدما حولت الحكومة تراجع الإنتاج المحلي إلى اعتماد مكلف وخطير على وحدات عائمة مستأجرة دون تأمين يمنع استهدافها.
عُشر الإمدادات يتوقف
بداية، فصلت الجهات المعنية الوصلات التي تربط السفينة بالشبكة القومية للغاز، وسحبتها من رصيف ميناء دمياط عقب السيطرة على الحريق، بينما بدأت عمليات فحص الأضرار التي لحقت بأنظمة التشغيل والربط والسلامة.
وفي المقابل، امتدت النيران إلى ناقلة الغاز المسال جاس لوج سالم، التي وصلت حديثا إلى الميناء ولم تبدأ تفريغ شحنتها، ما ضاعف المخاوف من اتساع الحادث إلى منشآت ووحدات أخرى بالموقع.
وبحسب المعلومات المتاحة، أعلنت الحكومة أن التحقيقات الأولية تشير إلى استهداف السفينتين بطائرة مسيرة، دون تحديد الجهة المسؤولة أو كشف كيفية وصول الطائرة إلى منشأة استراتيجية ترتبط مباشرة بأمن الطاقة والكهرباء.
ومن ناحية أخرى، تبلغ القدرة القصوى للسفينة نحو 650 مليون قدم مكعب يوميا، بينما تصل سعتها التخزينية إلى 138 ألفا و250 مترا مكعبا، ما يجعل توقفها خسارة تشغيلية تتجاوز مجرد إصابة سفينة عابرة.
وبالتالي، يفقد السوق نحو 9.5 بالمئة من احتياجاته اليومية المقدرة بنحو 6.8 مليار قدم مكعب، وهي فجوة كبيرة يصعب تجاهلها خلال ذروة الصيف وارتفاع استهلاك الكهرباء والمصانع كثيفة الاستخدام للطاقة.
كما أن السفينة كانت تستقبل نحو 6 شحنات غاز مسال شهريا، بإجمالي يقارب 920 ألف متر مكعب، تتحول بعد إعادة التغويز إلى نحو 19.5 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي.
غير أن الخسارة لا تتوقف عند الإمدادات اليومية، إذ كانت السفينة تحتفظ دوريا بنحو 3.18 مليار قدم مكعب من الغاز، تستخدم خلال أوقات الذروة أو الطوارئ، بما يحد من قدرة المنظومة على امتصاص الصدمات.
وفي هذا الصدد، يرى وزير البترول الأسبق مدحت يوسف أن وحدات التغويز أصبحت ضرورية لتعويض فجوة الإنتاج، لكن الاعتماد الواسع عليها يفرض وجود بدائل متعددة وخطط طوارئ تمنع تعطل الإمدادات عند توقف إحداها.
أولوية الكهرباء تهدد المصانع
علاوة على ذلك، تستعد وزارة البترول لإعادة توزيع الكميات المتاحة بين القطاعات، مع منح محطات الكهرباء الأولوية، وهو إجراء يعني عمليا تحميل المصانع الجزء الأكبر من نقص الغاز حتى لا تتعرض الشبكة لانقطاعات واسعة.
ومن ثم، قد تواجه الصناعات كثيفة الاستهلاك تخفيضات جديدة في الإمدادات، خصوصا الأسمدة والحديد والأسمنت والبتروكيماويات، بما يهدد الإنتاج والتصدير والتشغيل ويرفع تكلفة السلع في سوق يعاني أصلا من التضخم.
وفي غضون ذلك، تستهلك محطات الكهرباء وحدها قرابة 3.9 مليار قدم مكعب يوميا وفقا للتقديرات الحكومية، بينما سجل الاستهلاك مستويات أعلى خلال موجات الحر، ما يترك هامشا محدودا لتعويض النقص دون إجراءات مؤلمة.
وفضلا عن ذلك، فإن تقديم الكهرباء على الصناعة لا يلغي الأزمة، بل ينقلها من المنازل إلى المصانع، حيث يؤدي نقص الوقود إلى خفض الإنتاج وتعطل خطوط التشغيل وتراجع الصادرات والضغط على موارد العملة الأجنبية.
وعلى الجانب الآخر، قد تضطر الحكومة إلى زيادة استخدام المازوت والسولار داخل محطات الكهرباء، وهي بدائل أعلى تكلفة وأكثر تلويثا، وتحتاج إلى إنفاق دولاري إضافي في وقت تتعرض فيه العملة المحلية لضغوط متصاعدة.
وفي السياق نفسه، يؤكد أستاذ هندسة الطاقة حافظ سلماوي أن تنوع مصادر الوقود ووجود احتياطي تشغيلي ضروريان لاستقرار الشبكة، لأن ربط الكهرباء بإمدادات محدودة يجعل أي توقف مفاجئ يتحول إلى أزمة اقتصادية واسعة.
وبناء على ذلك، تكشف الواقعة أن الحكومة لم توفر فائضا آمنا كافيا، رغم معرفتها بتراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الاستهلاك الصيفي، واعتمدت على استمرار الوحدات العائمة وكأنها منشآت محصنة لا يمكن تعطيلها.
إضافة إلى ذلك، لا تزال تفاصيل التأمين البحري والجوي للميناء غائبة، رغم وجود سفن تحمل وتخزن كميات ضخمة من الغاز، ما يثير أسئلة عن أنظمة الرصد والحماية وسرعة اكتشاف الطائرة قبل وصولها إلى الهدف.
استيراد مكلف وتأمين غائب
أما مدة التوقف، فتشير التقديرات الأولية إلى احتياج السفينة لنحو شهر قبل العودة، إذا لم تكشف الفحوص أضرارا إضافية في الرصيف أو خطوط الربط أو معدات إعادة التغويز وأنظمة التحكم والسلامة.
وفي الأثناء، تتطلب إعادة التشغيل اختبارات للضغط ومعايرة المعدات وفحص الشبكة والرصيف، وهي خطوات لا يمكن تجاوزها دون المخاطرة بحادث جديد، ما يجعل وعد العودة السريعة مرهونا بحجم أضرار لم تعلن الحكومة تفاصيلها.
كذلك، توسعت مصر خلال العامين الماضيين في استئجار وحدات التغويز بعد تراجع إنتاج الحقول وتحول البلاد إلى مستورد صاف خلال فترات الذروة، رغم سنوات من الدعاية التي قدمتها باعتبارها مركزا إقليميا لتصدير الغاز.
وعليه، لم تعد السفن خيارا احتياطيا، بل صارت ركنا أساسيا لتشغيل الكهرباء والمصانع، وهو تحول يعكس فشل إدارة موارد الغاز في الحفاظ على الإنتاج والاستثمار الكافي قبل الوصول إلى فجوة استيرادية مكلفة.
ومن جهته، حذر خبير الطاقة ماهر عزيز مرارا من ضرورة التخطيط المتكامل لأمن الإمدادات، بما يشمل تنويع المصادر ورفع كفاءة الاستهلاك وحماية المنشآت، بدلا من معالجة كل عجز بعقود استيراد جديدة.
إلى جانب ذلك، تتحمل الخزانة تكاليف استئجار السفن وشراء الشحنات بالدولار، ثم تتحمل مجددا كلفة أي توقف أو أضرار أو تحويل مسارات الشحن، بينما يدفع المواطن النتيجة في أسعار الكهرباء والسلع والخدمات.
وفي الوقت ذاته، يكشف تراجع إنتاج الغاز إلى مستويات تقل عن احتياجات السوق حجم الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع، بعدما تحولت منشآت الإسالة من أدوات للتصدير إلى بوابات لاستقبال الغاز المستورد وتشغيله محليا.
لهذا، لا يكفي إعلان السيطرة على الحريق واستمرار التحقيقات، بل يجب كشف نتائج الفحص الأمني وتحديد المسؤولية عن اختراق المجال المحيط بالميناء، وإعلان خطة تعويض الإمدادات وكلفتها على الموازنة والقطاعات الإنتاجية.
وفوق ذلك، يتطلب الأمر توضيح الجهة التي ستتحمل إصلاح السفينة وخسائر توقفها، وشروط التأمين والعقد مع الشركة المالكة والمشغلة، حتى لا تتحول الفاتورة مجددا إلى عبء سري يدفعه المصريون.
وفي المحصلة، أظهر استهداف إنرجوس وينتر أن منظومة الغاز تقف على أرض هشة، وأن خروج وحدة واحدة قادر على حذف عُشر الإمدادات، وتهديد الصناعة والكهرباء وفتح باب جديد لاستنزاف الدولار.
وأخيرا، لن يعالج تأمين السفينة وحده الأزمة، ما دامت الحكومة تؤجل تنمية الإنتاج المحلي وتراكم الاعتماد على الاستيراد، ثم تقدم كل صدمة باعتبارها حادثا استثنائيا بينما تتكرر أسباب الانكشاف نفسها.

