قضت محكمة عابدين للأمور المستعجلة، في الدعوى رقم 475 لسنة 2026 مستعجل القاهرة، بعدم اختصاصها نوعيا بنظر طلب إثبات الحالة داخل حديقة الزهرية بالزمالك، ما دفع المؤسسة المصرية للحقوق البيئية إلى إعلان الطعن بالاستئناف.

 

وتكشف القضية كيف تحولت حماية مساحة خضراء تاريخية إلى معركة قضائية شاقة، بينما تواصل السلطة إدارة مشروعات التطوير بالغموض، وتحرم السكان من معرفة الجهة المنفذة أو طبيعة الأعمال التي قد تمس تراثهم وحقهم في بيئة آمنة.

 

 

معركة الاختصاص القضائي

 

في البداية، أقامت المؤسسة المصرية للحقوق البيئية الدعوى مطالبة بانتقال المحكمة أو ندب خبير لمعاينة الحديقة، وتوثيق الأعمال الجارية، والكشف عن الجهة أو الشركة المنفذة، تمهيدا لاتخاذ الإجراءات القانونية إذا ظهرت مخالفات.

 

وفي المقابل، رأت المحكمة أن النزاع يدخل في اختصاص القضاء الإداري، باعتباره متصلا بأعمال تجري داخل حديقة تتبع وزارة الزراعة، وهو تكييف رفضته المؤسسة باعتبار الدعوى منصبة على إثبات واقعة مادية فقط.

 

من جانبه، قال المحامي البيئي أحمد الصعيدي إن المؤسسة ستستأنف الحكم، مؤكدا أن الطلب لا يطعن على قرار إداري ولا يخاصم جهة حكومية، وإنما يسعى إلى تثبيت الحالة القائمة قبل تغير معالمها.

 

وبحسب الصعيدي، فإن إثبات الحالة يهدف إلى تحديد هوية المنفذ وطبيعة الأعمال، حتى يمكن لاحقا اختيار المسار القانوني الصحيح، بدلا من مطالبة المتضررين بمقاضاة جهة مجهولة لم تعلن الدولة اسمها أو صفتها.

 

علاوة على ذلك، قدمت المؤسسة صورا للكرفانات والتجهيزات داخل الحديقة باعتبارها قرائن تستدعي المعاينة، لا أدلة نهائية على مخالفة، وهو ما يجعل طلبها إجراء تحفظيا لحماية الحق قبل ضياع معالم الواقعة.

 

غير أن الحكم بعدم الاختصاص يطيل زمن النزاع، بينما تستطيع الأعمال الإنشائية تغيير الموقع خلال أسابيع، فتتحول الحماية القضائية المتأخرة إلى إجراء بلا أثر، بعد إزالة الأشجار أو صب الخرسانة أو تبديل استخدام المساحات.

 

وبالتالي، تضع القضية القضاء أمام سؤال يتجاوز الجدل الإجرائي، يتعلق بقدرة المواطنين على توثيق ما يجري في أملاك عامة حين تحجب الجهات الرسمية المعلومات، وتبدأ الأعمال قبل نشر المخططات أو تراخيص التنفيذ.

 

 

غموض يسبق التطوير

 

في سياق متصل، تعود المخاوف إلى تداول مخطط غير معلن رسميا يتضمن مطاعم وأنشطة ترفيهية وفندقا صغيرا، بينما ظهرت لاحقا أعمال تخطيط وتجهيز داخل الحديقة من دون بيان حكومي يوضح حدود المشروع أو مراحله.

 

كما أن المؤسسة سبق أن تقدمت بشكوى إلى مجلس الوزراء، مطالبة بوقف المشروعات المقترحة حتى إعلان تفاصيلها ومدى التزامها بالدستور وضوابط التنسيق الحضاري، لكن الغموض استمر وظهرت معدات وأعمال داخل أجزاء من الموقع.

 

من ناحية أخرى، يرى الدكتور حسام محرم، أستاذ التخطيط العمراني والتصميم البيئي بجامعة القاهرة، أن التعامل مع الحدائق التاريخية كأراض فضاء قابلة للاستثمار يكشف خللا في فلسفة إدارة المساحات الخضراء.

 

ووفقا لمحرم، فإن التطوير الحقيقي يبدأ بحماية القيمة البيئية والتاريخية وتحسين الخدمات الضرورية، لا بزيادة المباني والأنشطة التجارية، لأن تحويل الحديقة إلى مشروع ربحي يغير وظيفتها العامة ويضغط على مكوناتها الطبيعية.

 

فضلا عن ذلك، تصنف ضوابط الحفاظ على جزيرة الزمالك الحدائق العامة باعتبارها مناطق حماية بيئية، وتقصر البناء فيها على نسبة لا تتجاوز 2% من المساحة، بما يفرض شفافية كاملة بشأن أي إنشاءات جديدة.

 

في الوقت نفسه، لم تعلن وزارة الزراعة حتى الآن، وفق المعلومات المتاحة، اسم الجهة المنفذة أو المخطط النهائي أو التراخيص، وهو صمت يفتح الباب أمام الشكوك ويجعل المواطنين يعتمدون على الصور والتسريبات بدلا من البيانات الرسمية.

 

إلى جانب ذلك، يعيد المشهد إلى الأذهان مشروعات سابقة حملت شعار التطوير، ثم انتهت بتقليص المساحات المفتوحة وإدخال مطاعم وأسوار ورسوم دخول، بما يحول الحق العام تدريجيا إلى خدمة تجارية محدودة الوصول.

 

لهذا السبب، لا تبدو الأزمة خلافا فنيا حول تصميم حديقة، بل صراعا على من يملك القرار في المجال العام، وهل يحق للسكان معرفة ما يجري قبل التنفيذ، أم يكتفون بمشاهدة النتائج بعد اكتمالها.

 

 

تراث نباتي مهدد

 

تاريخيا، أنشئت حديقة الزهرية في عهد الخديوي إسماعيل كمحطة لتجربة وتأقلم النباتات الأجنبية، ثم ضمتها وزارة الزراعة عام 1917، وتحولت لاحقا إلى مركز بحثي خدم الباحثين وطلاب الزراعة والصيدلة لعقود طويلة.

 

وبمرور الوقت، تقلصت مساحة الحديقة بعد اقتطاع أجزاء لإقامة برج القاهرة وكلية التربية الرياضية، لكنها احتفظت بأشجار نادرة يتجاوز عمر بعضها 100 عام، وبقيت شاهدا حيا على تاريخ القاهرة النباتي.

 

من جانبها، أوضحت أميرة صديق علي، مديرة مشروعات بمركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي، أن الحديقة كانت محطة أساسية لأقلمة النباتات الجديدة على مناخ مصر عبر صوباتها التاريخية ومركز تجاربها النباتية المتخصص.

 

وبناء على ذلك، فإن قيمة الحديقة لا تقاس بعدد المقاعد أو المطاعم التي يمكن إضافتها، بل بما تحتويه من ذاكرة علمية ونباتية، وبقدرتها على حفظ تنوع نادر وسط مدينة تعاني نقص المساحات الخضراء.

 

كذلك، يؤدي قطع الأشجار القديمة أو تغيير التربة ومسارات المياه إلى أضرار لا يمكن تعويضها بزراعة شتلات جديدة، لأن القيمة التراثية ترتبط بالعمر والموقع والتكوين التاريخي، لا بمجرد حساب عدد الأشجار.

 

وفي الأثناء، تزداد أهمية الحديقة مع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الغطاء النباتي في القاهرة، إذ توفر الأشجار ظلا وتخفف التلوث والضوضاء، بينما تضيف الإنشاءات الخرسانية أحمالا حرارية وتقلص قدرة الأرض على امتصاص المياه.

 

ومن ثم، فإن حماية الزهرية قضية تتصل بالصحة العامة والعدالة البيئية، لأن فقدان الحدائق يدفع السكان نحو أماكن خاصة مرتفعة التكلفة، ويترك الفئات الأقل دخلا بلا متنفس مجاني أو مساحة آمنة للاجتماع.

 

على المستوى القانوني، يظل الاستئناف المرتقب فرصة لاختبار ما إذا كان القضاء المستعجل سيعتبر المعاينة إجراء وقائيا مستقلا، أم سيبقي القضية معلقة بين جهات الاختصاص بينما تتقدم الأعمال على الأرض.

 

أما سياسيا، فإن استمرار المشروع دون إعلان واضح يعكس نمطا متكررا تسبق فيه الجرافات الحوار المجتمعي، وتتحول المؤسسات العامة إلى واجهات صامتة، بينما يطالب المواطن بإثبات الضرر بعد وقوعه لا المشاركة قبل حدوثه.

 

وأخيرا، لا تحتاج حديقة الزهرية إلى مزيد من السرية أو الاستثمار القسري، بل إلى ترميم علمي وخطة معلنة ورقابة مستقلة، تضمن بقاء الأشجار والذاكرة والمجال العام بعيدا عن منطق الخرسانة والربح السريع.