كشفت شهادات أهالي قرية الفقاعي التابعة لمركز ببا جنوب بني سويف، أن انهيار الكوبري الحامل للماسورة الشافطة لمحطة المياه بعد نحو 20 يوماً من تشغيلها أدى إلى توقف المحطة وحرمان آلاف المواطنين من خدمة مياه الشرب.

 

ويضع الانهيار مشروعاً خدمياً نُفذ تحت مظلة حياة كريمة أمام اختبار سياسي وإنساني قاسٍ، إذ تتحول الوعود الحكومية بالتنمية إلى عبء إضافي حين تسقط المنشآت سريعاً، بينما يدفع المواطن وحده ثمن الإهمال وغياب المساءلة.

 

وفي المقابل، أفادت تقارير محلية بأن السقوط كان جزئياً وطال الممشى المعدني الحامل للمواسير دون إصابات بشرية، لكن تضارب الروايات بشأن تشغيل المحطة رسمياً أو تجريبياً يزيد ضرورة إعلان نتائج فنية موثقة للرأي العام.

 

 

عودة العطش للقرى

 

وبحسب محمد سعد، فإن المحطة بدأت العمل فعلياً لخدمة الفقاعي والقرى المجاورة قبل الواقعة بفترة قصيرة، ثم خرجت من الخدمة عقب سقوط الكوبري، لتعود الأسر إلى معاناة البحث عن مياه نظيفة في ظروف معيشية صعبة.

 

ومن جانبه، اعتبر حسن علي أن الحادث لا يمكن اختزاله في عطل فني عابر، مطالباً هيئة الرقابة الإدارية والجهات المختصة بفتح تحقيق موسع يشمل الشركة المنفذة والاستشاريين والمهندسين المشرفين ولجان الاستلام.

 

ومع ذلك، لا تزال الجهات الرسمية مطالبة بتحديد طبيعة الجزء المنهار، ومدى تأثيره في الماسورة الشافطة وغرفة المحركات، وما إذا كانت سلامة المأخذ نفسه مهددة، بدلاً من الاكتفاء بعبارات عامة عن الفحص والإصلاح.

 

إضافة إلى ذلك، تفرض الواقعة نشر جدول زمني واضح لإعادة تشغيل المحطة، وتوفير بدائل عاجلة لضخ المياه أو نقلها إلى القرى المتضررة، لأن حق السكان في الشرب لا يحتمل انتظار لجان تتباطأ أو نتائج تُحجب.

 

وفي السياق نفسه، فإن غياب بيان تفصيلي يحدد تكلفة المشروع والجهات المنفذة وتاريخ التسليم ومحاضر الاختبارات يفتح الباب أمام الشائعات، ويحول الأزمة من حادث هندسي إلى نموذج جديد لانعدام الشفافية في المشروعات العامة.

 

لذلك، يصبح السؤال المركزي ليس فقط لماذا سقط الكوبري، بل كيف جرى اعتماده وتشغيله، ومن وقّع على سلامته، وهل أجريت اختبارات الأحمال والتربة والتآكل والحماية من حركة المياه قبل السماح ببدء الخدمة.

 

ويشير أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي في طرحه العام إلى أهمية المراقبة الدقيقة للمنشآت المائية والتشغيل الآمن، وهو مبدأ يجعل الفحص الدوري والقياس المستمر ضرورة لا إجراءً شكلياً بعد وقوع الكارثة.

 

 

عيوب تنتظر الفحص

 

وبناءً على ذلك، فإن لجنة التحقيق مطالبة بفحص التصميمات الأصلية ومطابقتها بالتنفيذ الفعلي، وتحليل جودة المعادن واللحامات والركائز، ومراجعة مناسيب النيل وسرعات التيار وأثرها على الدعامات، مع توثيق النتائج بمعرفة جهة مستقلة.

 

كما أن تحديد سبب الانهيار يجب ألا يقتصر على معاينة بصرية، بل يتطلب اختبارات معملية وهندسية للمواد، ومسحاً إنشائياً شاملاً للأجزاء المتبقية، والتأكد من عدم وجود عيوب خفية قد تؤدي إلى انهيار جديد بعد الإصلاح.

 

وعلاوة على ذلك، تبرز خبرة الاستشاري الهندسي ممدوح حمزة في التشديد المتكرر على ضرورة مراجعة المشروعات الكبرى والمستندات الفنية قبل التنفيذ، بما يعزز مطلب إخضاع محطة الفقاعي لمراجعة هندسية مستقلة بعيدة عن أطراف التعاقد.

 

ومن ثم، ينبغي أن تشمل المراجعة جميع مراحل المشروع، من دراسة الموقع والتصميم والطرح والترسية، وصولاً إلى الإشراف والاستلام والتشغيل التجريبي، لأن انهياراً مبكراً بهذا الشكل غالباً ما يكون نتيجة سلسلة أخطاء لا خطأ منفرداً.

 

وفي غضون ذلك، لا يجوز بدء أعمال الترميم قبل توثيق الحالة الراهنة بالكامل، حتى لا تُطمس أدلة محتملة على سوء التنفيذ أو مخالفة المواصفات، وحتى تظل المسؤولية قابلة للإثبات أمام جهات التحقيق والنيابة المختصة.

 

بالتوازي، يجب فحص احتمالات النحر أسفل الدعامات، وضعف التثبيت، ورداءة اللحام، وعدم ملاءمة القطاعات المعدنية، وتأثير الأحمال الديناميكية، مع استبعاد أي تفسير مسبق قبل ظهور نتائج القياسات والاختبارات الفنية المعتمدة.

 

وفوق ذلك، فإن إعادة تشغيل المحطة بسرعة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لإصلاح تجميلي أو مؤقت، لأن استعجال التشغيل دون معالجة السبب الجذري قد يعرض العاملين والمنشأة والمواطنين لخطر أكبر لاحقاً.

 

وعليه، يتعين إعلان اسم الجهة الاستشارية التي ستجري الفحص، ومدة عملها، ونطاق مسؤوليتها، ثم نشر ملخص فني واضح ومفهوم للمواطنين يشرح سبب السقوط وخطة العلاج والضمانات العملية التي تمنع تكراره مستقبلاً.

 

 

مسؤولية بلا محاسبة

 

ويرى خبير الإدارة المحلية محمد رضا رجب أن إصلاح المحليات يرتبط بتفعيل الرقابة والمساءلة ووضوح الاختصاصات، وهو ما يجعل واقعة الفقاعي دليلاً على خطورة تداخل المسؤوليات بين المحافظة وشركة المياه وجهات الإشراف والتنفيذ.

 

وفي ضوء ذلك، لا يكفي تبادل الخطابات بين الأجهزة، بل يجب تحديد المسؤول الإداري المباشر عن متابعة المشروع، والجهة التي تسلمت الأعمال، ومن وافق على التشغيل، ثم مساءلة كل مستوى وفق اختصاصه القانوني.

 

كذلك، يمثل غياب المجالس المحلية المنتخبة ثغرة رقابية مزمنة وخطيرة، إذ يفقد المواطنون قناة مؤسسية قريبة لمتابعة المشروعات ومراجعة الإنفاق واستدعاء المسؤولين، فتظل الشكاوى رهينة الاستغاثات الإعلامية بعد وقوع الضرر فعلياً.

 

وبالمثل، فإن تحرك أعضاء مجلس النواب عبر طلبات الإحاطة والأسئلة العاجلة يجب أن يتجاوز الاستعراض الإعلامي، ليشمل طلب العقود ومحاضر الاستلام وتقارير الجودة، ومتابعة تنفيذ توصيات التحقيق حتى استعادة الخدمة ومحاسبة المقصرين.

 

وفي الأثناء، تحتاج الأسر المتضررة إلى خطة طوارئ معلنة تتضمن سيارات مياه منتظمة ونقاط توزيع ثابتة وأرقام شكاوى فعالة، مع أولوية للمدارس والوحدات الصحية وكبار السن، بدلاً من ترك الأهالي يواجهون الأزمة بوسائلهم المحدودة.

 

ومن ناحية أخرى، يجب تقدير الخسائر المالية الناتجة عن التوقف والإصلاح وإهدار المعدات والطاقة، ثم تحميلها للجهة التي يثبت تقصيرها، حتى لا تتحول الخزانة العامة إلى ممول دائم لأخطاء المقاولين والرقابة الضعيفة.

 

وبالتالي، فإن حماية مشروع حياة كريمة لا تكون بالدفاع الإعلامي عنه أو إنكار العيوب، بل بكشف الخلل سريعاً ومحاسبة المتسببين ونشر النتائج، لأن التستر على الفشل يهدر ثقة المواطنين أكثر من الاعتراف به.

 

وأخيراً، تنتظر قرى الفقاعي وببا قراراً واضحاً يعيد المياه فوراً ويكشف الحقيقة كاملة، فالمطلوب ليس ترميم كوبري فحسب، بل ترميم الثقة في قدرة الدولة على تنفيذ منشأة آمنة وصون المال العام وحقوق الناس.