كشف أسامة كمال، وزير البترول الأسبق ورئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ، أن أسعار الوقود في مصر لن ترتفع خلال الشهرين المقبلين، مستبعدا تحريكها مؤقتا، وسط ترقب ملايين الأسر لما سيحدث بعد انتهاء هذه المهلة.

 

سياسيا وإنسانيا، تعكس هذه الطمأنة المؤقتة عجز السلطة عن تقديم ضمان طويل الأجل يحمي المواطنين من موجة غلاء جديدة، بعدما أصبحت كل زيادة في الوقود بوابة مفتوحة لرفع أسعار النقل والغذاء والخدمات الأساسية.

 

بداية، جاءت تصريحات أسامة كمال متزامنة مع تصاعد المخاوف من عودة لجنة التسعير التلقائي إلى مراجعة الأسعار، بعد زيادة مارس الماضية التي رفعت البنزين والسولار وأشعلت موجة جديدة من ارتفاع تكاليف المعيشة.

 

وفي المقابل، أكد كمال أن اللجنة لم تعقد اجتماعها المقرر حتى الآن، معتبرا أن غياب الاجتماع يجعل إصدار قرار قريب بالزيادة أمرا مستبعدا، لكنه لم يقدم موعدا رسميا لانعقادها أو قرارا حكوميا ملزما.

 

إلى جانب ذلك، أشار إلى أن الحكومة تعاقدت مسبقا على كميات من المنتجات البترولية تكفي احتياجات فصل الصيف، بما يخفف ضغوط الاستيراد الحالية ويتيح استمرار الإمدادات دون الحاجة إلى تحريك فوري للأسعار المحلية.

 

مع ذلك، تضمنت تصريحاته تذكيرا متكررا بأسعار النفط العالمية وتكلفة الاستيراد وسعر صرف الجنيه، وهي عوامل تستخدمها الحكومة عادة لتبرير قرارات الزيادة، ما جعل رسالة الطمأنة تحمل في داخلها أسباب القلق نفسه.

 

طمأنة محدودة المدة

 

أولا، حددت التصريحات فترة شهرين فقط لاستبعاد رفع الأسعار، وهو تحديد زمني يطمئن المواطنين بصورة مؤقتة، لكنه يترك الباب مفتوحا أمام قرار جديد فور انتهاء المهلة أو انعقاد لجنة التسعير خلال الفترة التالية.

 

ثانيا، لم تصدر وزارة البترول أو مجلس الوزراء تعهدا رسميا يضمن تثبيت أسعار الوقود بعد الشهرين، ولذلك تظل تصريحات الوزير الأسبق تقديرا شخصيا مهما، لكنها لا ترقى إلى مستوى قرار حكومي يمنع الزيادة.

 

ثالثا، تخضع أسعار المنتجات البترولية لمراجعة تعتمد على متوسط أسعار النفط وتكلفة توفير الوقود وسعر الصرف، بما يعني أن استمرار الأسعار الحالية يظل مرتبطا بحسابات مالية متغيرة لا يملك المواطن التأثير فيها.

 

وبالتالي، فإن تأجيل الزيادة لا يعني إلغاءها، بل قد يمثل ترحيلا للقرار إلى توقيت ترى الحكومة أنه أقل حساسية سياسيا أو أكثر ملاءمة لتطبيق إجراءات اقتصادية جديدة مرتبطة بالموازنة والتمويل الخارجي.

 

كما أن تكرار عبارة عدم الزيادة خلال الشهرين يثير تساؤلا منطقيا بشأن الفترة التالية، لأن الطمأنة المفتوحة لا تحتاج إلى مهلة محددة، بينما يوحي تحديد الزمن بأن الاستقرار الحالي مؤقت وقابل لإعادة النظر.

 

لذلك، تبدو الرسالة مزدوجة بين نفي الزيادة القريبة وتعداد أسبابها المحتملة، فمن جهة يطلب من المواطنين الاطمئنان، ومن جهة أخرى يجري تذكيرهم بأن النفط والدولار والموازنة قد تفرض جميعها سعرا أعلى لاحقا.

 

ومن ثم، يعيد هذا الخطاب إنتاج نمط سبق قرارات اقتصادية عديدة، حيث تبدأ التغطية الإعلامية بشرح ارتفاع التكلفة والأعباء، ثم تتحول تدريجيا إلى تبرير الزيادة قبل إعلانها باعتبارها قرارا لا يمكن تجنبه.

 

تكلفة تبرر الرفع

غير أن أكثر التصريحات إثارة للقلق تمثل في القول إن التكلفة الفعلية لتوفير لتر الوقود تقترب من 35 جنيهًا، وهو رقم يفوق الأسعار الحالية ويقدم أساسا جاهزا للمطالبة بتقليص الفارق مستقبلا.

 

حاليا، يبلغ سعر لتر بنزين 95 نحو 24 جنيهًا، ويصل بنزين 92 إلى 22.25 جنيه، ويسجل بنزين 80 نحو 20.75 جنيه، بينما يباع لتر السولار بسعر 20.50 جنيه في المحطات.

 

وفقا لذلك، يظهر فارق يتجاوز 10 جنيهات بين التكلفة المقدرة وبعض أسعار البيع، وهو الفارق الذي تصفه الحكومة بالدعم، بينما يمثل في نظر المواطنين الحد الأدنى الضروري لمنع انفجار تكاليف النقل والسلع.

 

علاوة على ذلك، تستخدم أعباء الموازنة وفاتورة استيراد الطاقة بصورة متكررة لتبرير رفع الأسعار، رغم أن المواطن لا يملك معلومات تفصيلية كافية بشأن طريقة احتساب تكلفة اللتر أو مكونات السعر النهائي وهوامش التوزيع.

 

فضلا عن ذلك، لا يمكن التعامل مع السولار باعتباره سلعة مستقلة عن بقية الأسواق، لأنه يدخل في تشغيل مركبات النقل والمعدات الزراعية والمخابز والمصانع، ولذلك تنتقل أي زيادة فيه إلى أسعار معظم الاحتياجات اليومية.

 

في الوقت نفسه، ترفع زيادة البنزين تكلفة انتقال العاملين والطلاب وأصحاب الأعمال الصغيرة، سواء استخدموا سيارات خاصة أو وسائل نقل جماعي، لأن مشغلي وسائل المواصلات يسارعون عادة إلى المطالبة برفع التعريفة.

 

وبالمثل، يؤدي تحريك الوقود إلى موجات تضخمية متتابعة يصعب ضبطها، إذ لا تتوقف الزيادة عند قيمتها المباشرة، بل تتوسع عبر النقل والتخزين والتوزيع حتى تصل إلى المستهلك مضاعفة في أسعار السلع.

 

بناء على ذلك، يصبح الحديث عن التكلفة الحقيقية دون مناقشة الأجور الحقيقية خطابا ناقصا، لأن مقارنة السعر بالتكلفة تتجاهل قدرة المواطن على الدفع وتراجع قيمة دخله تحت ضغط التضخم والضرائب والرسوم المتزايدة.

 

المواطن أمام الانتظار

 

من ناحية أخرى، لا يوجد حتى الآن قرار رسمي معلن بزيادة جديدة، ولذلك لا يمكن الجزم بأن التصريحات تمثل تأكيدا لخطة حكومية محددة، لكنها تظل مؤشرا يستحق المتابعة والمساءلة بدلا من تجاهله تماما.

 

رغم ذلك، فإن الإلحاح الإعلامي على نفي الزيادة ثم شرح مبرراتها المحتملة قد يؤدي وظيفة التمهيد النفسي، عبر نقل المواطن تدريجيا من رفض القرار إلى توقعه ثم التعامل معه باعتباره نتيجة طبيعية للظروف.

 

كذلك، تحتاج الحكومة إلى إعلان واضح يحدد موعد اجتماع لجنة التسعير وأسس حساب التكلفة والسيناريوهات المطروحة، لأن ترك المواطنين أسرى للتقديرات والتسريبات يوسع الشائعات ويضعف الثقة في التصريحات الرسمية وشبه الرسمية.

 

أما إذا كانت الأسعار ستظل ثابتة، فمن الواجب إعلان مدة التثبيت وأسبابها بقرار رسمي، بدلا من الاكتفاء بتصريحات فردية تتغير دلالاتها مع تغير الأسواق أو اقتراب موعد المراجعة المقبلة لأسعار المنتجات البترولية.

 

في المقابل، إذا كانت هناك زيادة مرتقبة بعد شهرين، فإن الشفافية تقتضي كشفها ومناقشة آثارها الاجتماعية قبل التنفيذ، مع إعلان إجراءات حقيقية لحماية الفقراء وأصحاب الدخول الثابتة من تداعياتها الواسعة.

 

إضافة إلى ذلك، تكشف حالة القلق الشعبي تآكل الثقة الناتج عن تجارب سابقة أعقبت فيها الزيادات تصريحات مطمئنة، فأصبح المواطن يتعامل مع نفي رفع الأسعار باعتباره مؤشرا يستدعي الحذر لا سببا للاطمئنان.

 

وعليه، لا تكمن القضية في موعد زيادة البنزين والسولار فقط، بل في سياسة تحمل المواطنين تبعات العجز وتراجع العملة، بينما تبقى الأجور بعيدة عن ملاحقة الأسعار وتظل الحماية الاجتماعية أقل كثيرا من الاحتياجات.

 

أخيرا، تبدو مهلة الشهرين استقرارا مؤقتا لا ضمانا دائما، بينما يمهد رقم 35 جنيهًا لمعركة تسعير جديدة، ويبقى المواطن الطرف الذي ينتظر القرار ويدفع فاتورته في المواصلات والطعام والعمل دون قدرة حقيقية على الاعتراض.