أعلن وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط في بيروت بدء لجنة مشتركة شُكلت مطلع يوليو مراجعة أكثر من 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع سوريا تشمل الاستثمار والتأشيرات والضرائب والمواصفات التجارية، تمهيدًا لإعادة تنظيم العلاقات التجارية بين لبنان وسوريا ومعالجة الاختلالات المتراكمة منذ عقود.

 

ويأتي التحرك بعد تراجع التجارة الثنائية من مستوى اقترب من 800 مليون دولار في ذروته إلى نحو 250 مليون دولار خلال 2025، بينما تتحمل الحكومتان مسؤولية ترك المعابر والرسوم والنقل عرضة للقرارات المتضاربة التي رفعت تكاليف السلع وأضرت بالمصدرين والسائقين والمستهلكين على جانبي الحدود.

 

 

اتفاقيات كرست الاختلال

 

وبموجب التفاهم الجديد، ستفحص اللجنة الاتفاقيات التي أُبرمت خلال حكم عائلة الأسد، وستحدد النصوص التي تحتاج إلى تعديل أو إلغاء أو دمج، بعدما أثبت التطبيق أن وجود عشرات المذكرات لم يمنع التمييز في الرسوم ولم يوفر إطارًا مستقرًا للاستثمار أو انتقال الأشخاص والبضائع.

 

وفي المقابل، أقر البساط بأن المصدر اللبناني يدفع رسومًا عند إدخال بضائعه إلى سوريا بينما لا يتحمل المصدر السوري رسومًا مماثلة، وهو اختلال يكشف غياب مبدأ المعاملة المتكافئة ويضع الشركات اللبنانية أمام كلفة إضافية لا ترتبط بالمنافسة أو جودة الإنتاج وإنما بقرارات حكومية غير موحدة.

 

وعلى هذا الأساس، تشمل المراجعة أنظمة الضرائب والتأشيرات والأطر الاستثمارية والمواصفات الفنية والفحص المخبري، لأن اختلاف القواعد بين البلدين يؤدي إلى احتجاز الشحنات وتأخير التسليم وارتفاع النفقات، فيما تواصل المؤسسات الرسمية تحميل التجار نتائج قواعد صنعتها حكومات متعاقبة من دون رقابة معلنة أو تقييم دوري.

 

ومن زاوية توثيقية، تكشف أبحاث خبير الاقتصاد السياسي السوري كرم شعار أن شبكات المصالح المرتبطة بحكم الأسد أدت دورًا مركزيًا في إدارة الاقتصاد والالتفاف على العقوبات، ولذلك تمنح أبحاثه مراجعة الاتفاقيات وظيفة واضحة تتمثل في كشف المستفيدين السابقين وفحص الملكيات والعقود قبل إعادة اعتماد أي ترتيب قديم.

 

وبعد ذلك، تحتاج اللجنة إلى نشر قائمة الاتفاقيات موضع المراجعة ومحاضر اجتماعاتها ومعايير قبول التعديلات، لأن إبقاء العملية خلف الأبواب المغلقة سيعيد إنتاج العلاقة غير المتوازنة نفسها، كما سيمنح رجال الأعمال المقربين قدرة جديدة على التأثير في الرسوم والتراخيص من دون مشاركة المنتجين الصغار أو اتحادات العمال.

 

 

المعابر تخنق التجارة

 

أما ملف النقل، فيمثل الاختبار الأول لأي إعلان عن إعادة صياغة العلاقات التجارية بين لبنان وسوريا، لأن لبنان يعتمد على الأراضي السورية لنقل صادراته إلى الأردن ودول الخليج، بينما تستخدم الشركات السورية المرافئ اللبنانية للوصول إلى أسواق خارجية، ما يجعل تعطيل الحدود ضررًا مباشرًا على اقتصاد البلدين.

 

وبحسب الترتيبات التي ناقشها الوزيران، ستبحث اللجان تطوير المعابر وتنظيم دخول الشاحنات وتوحيد إجراءات الجمارك والفحص والأوزان والحمولات، بعد خلافات فرضت مناقلة البضائع بين شاحنات البلدين وأبقت مركبات عالقة، قبل اعتماد آليات مؤقتة أثبتت أن القرارات المنفردة تستطيع وقف التجارة خلال ساعات.

 

وفي هذا السياق، ناقش الجانبان إعادة تفعيل اتفاقية نقل الركاب والبضائع الموقعة عام 1993، واعتماد نافذة موحدة في المعابر وتوسيع اللجنة الفنية لتضم الجمارك والأجهزة المعنية، غير أن الحكومتين لم تعلنا حتى الآن جدولًا ملزمًا للتنفيذ أو سقفًا زمنيًا لإنهاء التأخير والرسوم المتكررة.

 

وتبعًا لذلك، يقدم الاقتصادي اللبناني ناصر السعيدي إطارًا واضحًا لقياس جدية الخطوة، إذ أكد خلال مايو 2026 أن ممرات التجارة الإقليمية يعاد تشكيلها وأن سوريا قد تستعيد دورها بوصفها جسرًا للنقل، لكنه حذر من بقاء لبنان بيئة مرتفعة المخاطر من دون إصلاحات وخريطة اقتصادية معلنة.

 

ثم يفرض ملف التهريب نفسه على المباحثات، لأن الحدود الممتدة لمسافة 375 كيلومترًا شهدت خلال السنوات الماضية حركة غير قانونية للوقود والمخدرات والأسلحة، بينما سمحت الفوارق السعرية وضعف الرقابة بتكوين شبكات استفادت من انهيار المؤسسات وحولت المناطق الحدودية إلى مسارات موازية للتجارة الرسمية.

 

 

الطاقة تختبر الوعود

 

وبالتوازي مع التجارة والنقل، تناولت المباحثات التعاون في الكهرباء والغاز وإمكان استخدام البنية التحتية السورية لربط لبنان بمصادر إقليمية، غير أن هذا الملف يحمل سجلًا من الوعود المعطلة، بعدما أخفقت السلطات اللبنانية في تأمين كهرباء مستقرة رغم إنفاق أموال عامة ضخمة وتراكم الخسائر والديون.

 

ومن جهتها، ترى خبيرة حوكمة النفط والغاز لوري هايتايان أن التعاون مع سوريا في الربط الكهربائي يمكن أن يفتح مسارًا إقليميًا، لكنها وصفت مؤسسة كهرباء لبنان بأنها مرفق عام فاشل وغير مستقل ماليًا، وطالبت بتقييم شامل للبنية التحتية وتكلفة إصلاحها قبل إطلاق مشروعات جديدة أو تحميل المواطنين فواتير إضافية.

 

ورغم أهمية الربط الإقليمي، لا يستطيع اتفاق ثنائي معالجة فشل قطاع الكهرباء اللبناني ما لم تلتزم الحكومة بإدارة شفافة للعقود والتسعير والجباية، لأن استجرار الغاز أو الكهرباء عبر سوريا سيظل حلًا هشًا إذا بقيت الشبكة متقادمة وبقيت مؤسسة الكهرباء عاجزة عن تغطية نفقاتها أو مراقبة الهدر.

 

ولذلك، يحمل الإعلان عن إعادة تفعيل مجلس الأعمال اللبناني السوري خطر تحويل التعاون المؤسسي إلى قناة مغلقة لكبار المستثمرين، ما لم تضمن الحكومتان تمثيل الصناعيين والمزارعين وشركات النقل والنقابات، وتنشرا أسماء الأعضاء والمصالح الاقتصادية المرتبطة بهم والقرارات التي يشاركون في صياغتها بشأن الرسوم والتراخيص.

 

وفي المحصلة، تستطيع مراجعة الاتفاقيات تصحيح عقود من الاختلال فقط إذا أنهت الحكومتان الامتيازات غير المتكافئة وأخضعتا المعابر والطاقة والاستثمار للرقابة العلنية، أما استبدال مذكرات قديمة بأخرى غامضة فسوف يبقي التجارة عند حدود 250 مليون دولار ويحمّل المواطنين كلفة فشل جديد بينما يحصد المتنفذون مكاسب الحدود وإعادة الإعمار.