يقول **الشيخ أحمد حسنين** في إحدى خطبه الدعوية إن وقائع التاريخ الإسلامي، تكشف عبر قرون طويلة من الصعود والانكسار، أن انتصار الأمة لم يكن رهينا بالعدد والعتاد وحدهما، بل ارتبط بالإيمان والعمل الصالح ووحدة الصف وإعداد القوة، بينما جاءت الهزائم من الانحراف والظلم والفرقة والتبعية.
في المقابل، تعيش الأمة اليوم واقعا ثقيلا يعيد طرح السؤال القديم بحدة جديدة، لماذا انتصرت في مراحل وهي قليلة العدد، ولماذا هزمت في مراحل أخرى وهي واسعة الرقعة كثيرة السكان، لكنها عاجزة عن حماية قرارها وكرامتها.
وعد النصر وشروط التمكين
منذ اللحظة الأولى، قرر القرآن أن النصر وعد إلهي لأهل الإيمان، فقال سبحانه: إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، غير أن هذا الوعد لم يكن منفصلا عن شروطه وسننه.
كما قال سبحانه: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض، فجاء الاستخلاف مشروطا بالإيمان والعمل الصالح وعبادة الله دون شرك، لا بمجرد الانتماء الشكلي أو رفع الشعارات في أزمنة الضعف.
وبالتالي، فإن التمكين لا ينزل على أمة فقدت حقيقتها الإيمانية، أو استبدلت العمل بالادعاء، أو رفعت راية الدين بينما ينهشها الظلم والفساد والفرقة، لأن السنن الإلهية لا تحابي أحدا.
ولذلك، لم يكن النصر في الإسلام معنى عسكريا ضيقا فقط، فقد ينتصر الداعية وإن قتل، وينتصر المنهج وإن عذب أصحابه وشردوا، لأن بقاء الحق وثبات أهله صورة من صور الغلبة التاريخية.
ومن ثم، مرت الأمة الإسلامية بمراحل قوة وضعف، بعد عهد النبي وخلفائه، فشهد التاريخ فترات مد وجزر، لم يكن فيها الانتصار دائما ولا الهزيمة قدرا دائما، بل كانت النتائج مرتبطة بالأسباب.
غير أن واقع الأمة المعاصر يكشف 3 مظاهر للهزيمة، أولها الهزيمة النفسية التي تجعل بعض أبنائها يطلبون الذوبان في النظام العالمي، وثانيها التبعية الفكرية والاقتصادية، وثالثها الضعف والذلة والتفرق.
علاوة على ذلك، أصبحت الأمة رغم كثرتها أقل تأثيرا في قضاياها، حتى بات غيرها يقرر في مصيرها، بينما يقف أبناؤها شهودا على ما يجري، وكأنهم غائبون عن ساحات القرار والفعل.
في هذا السياق، تبدو معرفة أسباب النصر والهزيمة ضرورة وليست ترفا، لأن الأمة التي لا تفهم لماذا سقطت، ولا كيف نهضت من قبل، ستبقى تدور في دائرة الانكسار مهما رفعت من شعارات.
ويأتي الإيمان الصادق والعمل الصالح في مقدمة أسباب النصر، لأن القرآن ربط بينهما وبين الاستخلاف، ثم أكد على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول، بما يجعل البناء الروحي والأخلاقي أصل القوة.
كذلك، يتمثل هذا الإيمان في عبادة الله وحده، والتوكل عليه، والاستنصار به، ودعائه في الشدائد، كما فعل النبي يوم بدر حين رفع يديه قائلا: اللهم أنجز لي ما وعدتني.
ثم إن مشهد بدر يكشف قانونا مركزيا في النصر، فقد كان المسلمون 319 رجلا في مواجهة ألف من المشركين، لكن الثقة بالله والأخذ بما تيسر من أسباب حولت القلة المؤمنة إلى قوة فاعلة.
كما أن الصبر والثبات شرط لا يسقط من معادلة النصر، فقد قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا، وقال: فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين.
وبناء على ذلك، لا تقوم أمة مهزوزة نفسيا، ولا ينتصر صف يتراجع عند أول ابتلاء، لأن التمكين لا يأتي قبل التصفية والاختبار، ولأن المحن تكشف الصادقين وتفضح أصحاب الشعارات الفارغة.
ومن أسباب النصر أيضا ذكر الله كثيرا عند المواجهة، إذ قال تعالى: واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون، فالمعركة في التصور الإسلامي ليست صراعا ماديا خالصا، بل امتحان قلب وإرادة وثبات.
وحدة الصف وإعداد القوة
يمثل توحيد الصف أحد أعمدة النصر في التاريخ الإسلامي، لأن الأمة الممزقة تستنزف قوتها في الداخل قبل أن تواجه عدوها في الخارج، وقد قال تعالى: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.
لذلك، لم يكن تحرير بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي عملا عسكريا منفردا، بل سبقه جهد سياسي وإيماني لتوحيد مصر والشام، وتحويل التفرق إلى جبهة قادرة على مواجهة الصليبيين.
ومن ناحية أخرى، تحتاج الأمة إلى قيادة مؤمنة قوية تجمع بين العلم والبصيرة والحزم، لأن وجود القيادة العلمية دون قوة تحميها يترك الحق مكشوفا، ووجود القوة دون إيمان يحولها إلى أداة بطش.
كما أن إعداد العدة سبب لا يجوز إهماله، فقد قال تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، فجعل التكليف مرتبطا بالاستطاعة، لا بالمستحيل، ولا بالتواكل العاجز.
وبالتالي، لا يطلب من الأمة أن تمتلك دائما ما عند خصومها، لكنها مطالبة بأن تفعل ما تستطيع، وأن تعد الإنسان والمال والمعرفة والسلاح والتنظيم، ثم تعتمد على الله لا على الأسباب وحدها.
ولزيادة الوضوح، لبس النبي الدرع يوم أحد، وحفر الخندق يوم الأحزاب، وأعد القادة والجنود، وسأل عن عدد قريش وإمكاناتها يوم بدر، بما يؤكد أن التوكل لا يلغي التخطيط.
غير أن الاعتماد النهائي لا يكون على السلاح ولا العدد، بل على الله القوي العزيز، فقد كان عمر يكتب لقادته إذا استبطأ النصر: إنا لا نقاتل الناس بعدد ولا عدة إنما نقاتلهم بهذا الدين.
وفي قلب إعداد العدة يأتي إعداد الجندي المؤمن والقيادة المؤمنة، لأن السلاح في يد رجل بلا عقيدة ولا انضباط قد يتحول إلى عبء، بينما يصنع الإيمان إنسانا يعرف لماذا يثبت ولماذا يضحي.
كذلك، يبرز مثال عمير بن الحمام في بدر، حين سمع وعد الجنة، فرمى تمراته وقاتل حتى قتل، ليجسد معنى الإنسان الذي تهون في عينه الدنيا عندما يصبح الهدف أكبر من حياته.
فضلا عن ذلك، يدخل المال في صميم القوة، فقد جهز عثمان بن عفان جيش العسرة، فقال النبي في شأنه: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم، لأن المال كان عصب الإعداد والنصرة.
ومن إعداد القوة أيضا معرفة العدو، لا احتقاره ولا تضخيمه، فقد سأل النبي عن عدد قريش ومن معها من صناديدها، ثم قدر قوتها، لأن الوعي بالخصم جزء من فقه المواجهة.
ومع ذلك، نهى النبي عن تمني لقاء العدو، فقال: لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا، بما يضع القوة في إطار الحكمة لا التهور ولا الاستعراض.
جذور الهزيمة وأبواب الخذلان
في الجهة المقابلة، تبدأ الهزيمة غالبا من الداخل، حين تنحرف الأمة عن الصراط المستقيم، سواء بانحراف عقدي يبدل الولاء والمنهج، أو بانحراف عملي ينشر الظلم والمعاصي والفساد في حياة الناس.
وقد قرر القرآن أن هلاك الأمم السابقة جاء بسبب ذنوبها، فقال سبحانه: فكلا أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض.
ومن ثم، لا يصح تفسير الهزائم تفسيرا سياسيا أو عسكريا فقط، لأن السنن القرآنية تربط بين الداخل والخارج، وبين فساد القلوب والمجتمعات، وبين سقوط الهيبة أمام الأعداء وتآكل العدل في الداخل.
كما يقدم التاريخ شواهد قاسية على أثر الانحراف، فقد أدى المد الباطني والرافضي في بعض مراحل التاريخ إلى تمزق سياسي وعقدي، تزامن مع تقدم الروم والصليبيين على بلاد المسلمين وسواحلهم.
وفي العصر الحديث، جاءت هزائم العرب أمام الاحتلال الصهيوني كاشفة لخطورة الشعارات القومية والعسكرية حين تنفصل عن الإيمان والعدل والحرية، فقد ارتفعت أصوات التهديد، ثم جاءت الهزيمة كالصاعقة.
كذلك، تظهر المعاصي العملية كأسباب مباشرة للهزيمة، ومنها مخالفة أمر القيادة في المعركة، كما حدث يوم أحد حين ترك الرماة مواقعهم، فدفع المسلمون ثمن مخالفة واحدة في لحظة حساسة.
ومن المعاصي التي تضرب الأمة الظلم، وهو ليس سببا للهزيمة فقط، بل سبب لسقوط الدول، وقد نقل عن ابن تيمية أن الدول تبقى مع العدل وإن كانت كافرة، وتسقط مع الظلم وإن كانت مسلمة.
إضافة إلى ذلك، يؤدي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى اتساع الفساد، وقد قال تعالى: وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون، فالإصلاح صمام أمان للأمم.
كما حذر النبي من السكوت على الظالم، فقال: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه، وهذا يجعل مواجهة الظلم مسؤولية عامة لا خيارا فرديا.
ومن أسباب الخذلان كذلك نقض العهود، فقد ورد في الحديث: ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم.
وعليه، فإن سقوط الأرض أو المال أو السيادة لا يبدأ دائما من قوة العدو، بل قد يبدأ من خيانة العهد، وضعف الأمانة، وتفكك الداخل، حتى يصبح الخارج قادرا على اقتطاع ما يريد.
ثم يأتي الغلول وأكل المال العام كمرض قاتل في جسد الأمة، إذ روي عن ابن عباس: ما ظهر الغلول في قوم قط إلا ألقي في قلوبهم الرعب، والرعب أول طريق الهزيمة.
ومن أخطر أبواب السقوط البطر والغرور، فقد قال تعالى: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس، كما ذكر القرآن يوم حنين حين أعجبت المسلمين كثرتهم فلم تغن عنهم شيئا.
وبالتالي، فإن الكثرة لا تكفي إذا صاحبها عجب، والعدد لا يصنع نصرا إذا ضعف الاعتماد على الله، لأن أول هزيمة تقع في القلب حين يظن الإنسان أن القوة ملك يده.
ولا تقل الفرقة خطرا عن المعاصي، لأن التنازع يذهب الريح، ويحول الأمة إلى جزر متقاتلة، وقد كان سقوط الأندلس مثالا مؤلما على اجتماع الترف والفرقة والتخاذل أمام عدو متربص.
كما أن موالاة الخصوم والمنافقين تفتح ثغرات قاتلة في جسد الأمة، وقد حذر القرآن من اتخاذ بطانة من دون المؤمنين، لأن العدو لا يقصر فيما يفسد الصف ويزرع الاضطراب داخله.
ويكشف سقوط بغداد أمام التتار خطورة الثقة بمن لا يؤتمنون على الأمة، حين لعبت الخيانات الداخلية دورا في تمكين العدو، بما يؤكد أن الحصون لا تهدم من الخارج وحده.
أخيرا، فإن ترك إعداد العدة والإخلاد إلى الراحة واللهو والدنيا يجعل الأمة عاجزة عن المواجهة، لأن النصر لا يأتي لمن يكره ثمنه، ولا لمن يريد العزة دون بذل وتضحية وإصلاح.
في النهاية، يؤكد التاريخ الإسلامي أن النصر له سنن واضحة، تبدأ بالإيمان والعمل الصالح، وتمر بوحدة الصف والقيادة والإعداد، بينما تبدأ الهزيمة بالظلم والفرقة والغرور والتبعية وترك الواجب.
ولذلك، فإن طريق الخروج من الضعف لا يبدأ من البكاء على الماضي، بل من مراجعة شروط النصر في الحاضر، وبناء إنسان مؤمن، وصف موحد، ومؤسسات عادلة، وقوة واعية تعرف غايتها وحدودها.

