دخلت الحرب السودانية مرحلة أكثر قتامة مع تحذيرات أممية متصاعدة من تحول ممارسات الاعتقال والاحتجاز إلى أحد أخطر أوجه الصراع الدائر منذ أبريل 2023، في وقت تتواصل فيه المعارك العنيفة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات، على عدة جبهات، وتتفاقم الأزمة الإنسانية التي باتت توصف بأنها من بين الأسوأ عالمياً.

 

وكشفت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، في تحديث جديد أمام مجلس حقوق الإنسان، عن نمط متسع من الانتهاكات الخطيرة التي تطال المدنيين في المناطق المتأثرة بالنزاع، مؤكدة أن عمليات الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري والابتزاز المالي تحولت إلى أدوات ممنهجة تستخدم للسيطرة على السكان وإحكام القبضة على المناطق الخاضعة للأطراف المتحاربة.

 

وقالت البعثة إن التحقيقات الميدانية والشهادات التي جمعتها أظهرت أن قوات الدعم السريع باتت تعتمد بصورة متزايدة على احتجاز المدنيين وإجبار ذويهم على دفع مبالغ مالية ضخمة مقابل إطلاق سراحهم، في ممارسات وصفتها بأنها تغذي "اقتصاد الحرب" وتفاقم معاناة السكان الذين أنهكتهم سنوات النزاع والنزوح.

 

وأوضحت أن قيمة الفديات المطلوبة بلغت في بعض الحالات نحو 25 مليون جنيه سوداني، أي ما يعادل قرابة 40 ألف دولار أمريكي، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الأسر السودانية التي تواجه بالفعل أوضاعاً اقتصادية ومعيشية شديدة القسوة.

 

وأكدت البعثة أن هذه الممارسات لا تقتصر آثارها على الضحايا المباشرين، بل تمتد لتقويض النشاط الاقتصادي المحلي، خاصة في المناطق التي تعتمد على حركة التجارة والتنقل بين خطوط التماس، حيث بات التجار عرضة لخطر الاختطاف والاحتجاز، ما أدى إلى مزيد من الانهيار في الاقتصادات المحلية الهشة وارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي في مدن ومناطق عدة، بينها الفاشر والأبيض والدلنج وكادوقلي.

 

 

اختفاء عمال الإغاثة

 

وفي تطور أثار قلقاً دولياً واسعاً، كشفت بعثة تقصي الحقائق عن اعتقال ما لا يقل عن 70 شخصاً بمدينة الجنينة خلال مايو الماضي، بينهم عاملون في المجال الإنساني والإغاثي، مشيرة إلى أن مصير هؤلاء ما زال مجهولاً حتى الآن.

 

وأفادت البعثة بأن المحتجزين اختفوا دون أن تعلن الجهات التي قامت باعتقالهم عن أماكن احتجازهم أو أوضاعهم القانونية، كما لم يسمح لأسرهم أو لمحاميهم بالتواصل معهم أو زيارتهم، الأمر الذي يثير مخاوف جدية من تعرضهم للاختفاء القسري.

 

وأكدت عضو البعثة منى رشماوي أن استهداف العاملين في المجال الإنساني يمثل تهديداً مباشراً للجهود الإغاثية ويعرض ملايين المدنيين الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية لمخاطر متزايدة، مشددة على أن الاختفاء القسري يعد جريمة خطيرة بموجب القانون الدولي.

 

 

اتهامات متبادلة وانتهاكات من الطرفين

 

ولم تقتصر انتقادات البعثة الأممية على قوات الدعم السريع، إذ أكدت أنها وثقت أيضاً حالات اعتقال ومضايقات نفذتها القوات المسلحة السودانية ضد معارضين سياسيين ومدنيين وصحفيين ومحامين ونشطاء حقوقيين يشتبه في تعاونهم مع الدعم السريع.

 

وبحسب التقرير، فإن العديد من المعتقلين تعرضوا للاحتجاز بسبب انتماءاتهم السياسية أو القبلية أو بسبب نشاطهم السابق في الحركات المدنية والشعبية، فيما واجه صحفيون ومقدمو معلومات مستقلون قيوداً متزايدة على العمل والوصول إلى الإنترنت، ما أسهم في الحد من تدفق المعلومات المستقلة حول مجريات الحرب.

 

وسلط التقرير الضوء على قضية محامٍ بارز من مدينة سنجة اشتهر بالدفاع عن المعتقلين السياسيين وضحايا القمع، حيث أفادت المعلومات بأنه تعرض للاعتقال والتعذيب عقب استعادة الجيش السيطرة على المدينة.

 

 

سجون تتحول إلى بؤر للموت البطيء

 

وأشارت اللجنة إلى أن المعلومات التي جمعتها تؤكد أن ظروف الاحتجاز لدى طرفي النزاع تتسم بالقسوة الشديدة وتفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية.

 

ووفقاً للتقرير، يعيش المحتجزون في مرافق مكتظة تعاني نقصاً حاداً في الغذاء والمياه الصالحة للشرب والرعاية الصحية وخدمات الصرف الصحي، ما يجعلهم عرضة للأمراض والأوبئة، وفي مقدمتها الكوليرا.

 

كما وثقت إفادات عديدة أوضاعاً مأساوية داخل سجن سوبا بالخرطوم خلال فترة سيطرة الدعم السريع عليه، بينما برز سجن نيالا في جنوب دارفور باعتباره أحد أكثر مراكز الاحتجاز إثارة للقلق، حيث تشير التقارير إلى وجود آلاف المعتقلين داخله وسط اتهامات بانتشار التعذيب والعنف الجسدي وغياب الإجراءات القانونية.

وأكدت البعثة أنها تلقت شهادات موثوقة عن تعرض محتجزين لدى طرفي النزاع للضرب وسوء المعاملة والاستجواب القسري والعنف النفسي والجسدي، مشيرة إلى أن بعض تلك الانتهاكات انتهت بوفاة الضحايا داخل أماكن الاحتجاز.

 

 

الأبيض تحت النار

 

ميدانياً، تتواصل المواجهات العنيفة في ولاية شمال كردفان، حيث تشهد مدينة الأبيض، عاصمة الولاية، تصعيداً عسكرياً متسارعاً مع تكثيف قوات الدعم السريع هجماتها بالطائرات المسيّرة على الأحياء السكنية والمرافق الحيوية.

 

وأفادت مصادر ميدانية بأن الجيش السوداني تمكن من صد هجوم بري واسع شنته قوات الدعم السريع على تخوم المدينة، بينما واصلت الأخيرة استهداف الأحياء الشرقية والأسواق والمنشآت المدنية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى وإلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية.

 

وتحظى الأبيض بأهمية استراتيجية كبيرة نظراً لموقعها الجغرافي الذي يربط وسط السودان بغربه، كما تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى مركز لوجستي وعسكري رئيسي للجيش السوداني، وإلى ملاذ لمئات الآلاف من النازحين الفارين من مناطق القتال في دارفور وكردفان.

 

 

انشقاقات داخل معسكر الدعم السريع

 

وفي مؤشر جديد على التوترات الداخلية التي تواجهها قوات الدعم السريع، أعلن فارس النور، عضو المجلس الرئاسي لتحالف "تأسيس" الذي ترعاه قوات الدعم السريع، استقالته من منصبه ومن عضوية المجلس، مبرراً قراره بما وصفه بانحراف المشروع عن أهدافه الأصلية.

 

وقال النور إن التحالف الذي كان يفترض أن يمثل خطوة انتقالية نحو السلام والاستقرار تحول إلى أداة تهدد وحدة السودان وسيادته واستقلاله، مؤكداً أن مسؤوليته الأخلاقية تجاه الشعب السوداني فرضت عليه الانسحاب.

 

وتأتي هذه الاستقالة ضمن سلسلة انشقاقات شهدتها صفوف التحالف والقوات الداعمة له خلال الأشهر الماضية، ما يعكس تصاعد الخلافات الداخلية في معسكر الدعم السريع.

 

 

البرهان يتمسك بالحل السوداني

 

سياسياً، جدد رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان تأكيده أن أي تسوية سياسية للأزمة يجب أن تنطلق من الداخل السوداني وبإرادة وطنية مستقلة، مع الترحيب بأي دعم دولي يسهم في تحقيق السلام والاستقرار دون المساس بسيادة البلاد.

 

وخلال لقائه سفراء الاتحاد الأوروبي، اتهم البرهان قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، داعياً المجتمع الدولي إلى وقف الدعم المقدم لها، فيما أكد الاتحاد الأوروبي رفضه إقامة أي سلطات أو كيانات موازية للدولة السودانية، ودعمه لعملية سياسية تقود إلى انتقال مدني ديمقراطي.

 

 

دعوات للمحاسبة وإنهاء الإفلات من العقاب

 

في ختام تقريرها، شددت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق على أن وقف دوامة الانتهاكات يتطلب إجراءات دولية أكثر حزماً، تشمل دعم الضحايا وتعزيز التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وإنشاء آليات مستقلة لجمع الأدلة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة.

 

وأكدت البعثة أن ما يجري في السودان لم يعد مجرد حوادث متفرقة أو انتهاكات معزولة، بل يمثل نمطاً واسع النطاق ومنهجياً من الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي تستدعي تحركاً دولياً عاجلاً، محذرة من أن استمرار الإفلات من العقاب سيقود إلى مزيد من الفظائع ويعمق المأساة الإنسانية التي يعيشها ملايين السودانيين مع دخول الحرب عامها الرابع.