فجر إعلان السياسي المصري وعضو مجلس النواب السابق والمرشح السابق لرئاسة الجمهورية، أحمد الطنطاوي، بحثه عن فرصة عمل جديدة، موجة واسعة من الجدل حول القيود الاقتصادية والمهنية التي يواجهها المعارضون في مصر، بعدما كشف منشوره عن أزمة لا تتعلق بشخصه وحده، بل تمتد إلى سياسيين وصحفيين وحقوقيين وأكاديميين حُرموا من العمل أو ضُيّقت أمامهم فرص الرزق بسبب مواقفهم السياسية.


وكتب الطنطاوي، وهو رئيس حزب الكرامة الأسبق ووكيل مؤسسي حزب “تيار الأمل”، عبر صفحته على “فيسبوك”، أنه خلال 25 عامًا من العمل المهني والعام والأكاديمي اكتسب خبرات متنوعة في الصحافة والإعلام والبحث العلمي والتدريب والإدارة، معربًا عن تطلعه إلى توظيف هذه الخبرات في فرصة مهنية جديدة.

 

 

ويأتي إعلان الطنطاوي بعد مسار سياسي حافل بالصدام مع السلطة، خاصة خلال الانتخابات الرئاسية 2024، التي فاز فيها عبد الفتاح السيسي بولاية جديدة حتى عام 2030، بينما جرى حصار حملة الطنطاوي بقضية “التوكيلات الشعبية”، قبل حرمانه فعليًا من خوض المنافسة وحبسه لمدة عام.


منشور الطنطاوي يكشف أزمة تتجاوز شخصه


أحدث منشور أحمد الطنطاوي ردود فعل واسعة بين النشطاء، الذين اعتبروا طلبه للتوظيف إشارة واضحة إلى حجم الضغوط الاقتصادية التي يتعرض لها المعارضون، وحرمانهم من حق العمل والتكسب، في ظل رفض قطاعات من سوق العمل التعامل معهم خوفًا من تبعات أمنية أو سياسية.


وأشار الناشط تامر عطية، وهو أحد أقارب الطنطاوي، إلى أن القضية ليست قصة الطنطاوي وحده، بل قصة بلد لا تزال عاجزة عن الاستفادة من خبرات أبنائها وكفاءاتهم، وتتعامل مع الاختلاف السياسي كأنه سبب لإهدار سنوات من العلم والخبرة والعمل العام.

 

 

وأوضح عطية أن الدول تتنافس عادة على استقطاب أصحاب الخبرات حتى لو اختلفت معهم، لأنها تدرك أن الكفاءة ثروة وطنية لا يجوز التفريط فيها، بينما تحولت المعارضة السياسية في مصر إلى عبء يطارد أصحابها في فرص العمل والحياة اليومية.


وفي السياق ذاته، قال الناشط شريف الروبي إن ما يعيشه أحمد الطنطاوي لا يخصه وحده، فهناك آلاف المواطنين المفرج عنهم، سواء بإخلاء سبيل أو بعد انقضاء أحكام سياسية، لا يجدون فرصة عمل ملائمة أو حتى غير ملائمة، بل لا يجدون أي فرصة أصلًا.


وكان الروبي قد أكد في حديث سابق غير منشور مع “عربي21” أنه يتعرض لضغوط كبيرة ويعاني من غياب فرص العمل، ما اضطره للعيش في قريته، قبل أن يكتب لاحقًا عن ضيقه من كثرة الأسئلة حول ما الذي سيفعله وأين سيعمل.

 


 

قيود أمنية ومهنية تطارد المعتقلين السابقين


لا تقف الأزمة عند حدود الشخصيات السياسية البارزة، إذ تمتد إلى معتقلين سابقين وموظفين وصحفيين وأسر معارضين، وجدوا أنفسهم بعد الخروج من السجون أمام حصار اقتصادي يمنع العودة إلى العمل أو الحصول على وظيفة جديدة.


وتورد شهادات حقوقية نماذج لمعتقلين سابقين حُرموا من وظائفهم أو أُجبروا على تركها. من بينهم موجه في التربية والتعليم، أُشير إليه بالحروف “ع. ع”، اعتُقل عام 2016 لمدة ثلاث سنوات، وبعد الإفراج عنه حاول العودة إلى عمله بطلب رسمي إلى الوزارة، لكنه تعرض للتهديد بالاعتقال مجددًا، فاضطر للتنازل عن حقه.


ومع بلوغه سن الستين، فشل في الحصول على معاشه بدعوى انقطاعه عن العمل، ولم يتمكن من رفع دعوى قضائية للحصول عليه، قبل أن يُعتقل مرة ثانية ويبقى رهن الحبس حتى اليوم.


وتعرض إمام بوزارة الأوقاف، أُشير إليه بالحروف “س. غ”، لتجربة مشابهة، إذ اعتُقل ثلاث مرات وأُخلي سبيله، وفي كل مرة كان يعود إلى وظيفة إدارية، إلى أن اعتُقل وأُخلي سبيله عام 2018، فرفضت وزارة الأوقاف إعادته إلى العمل وقررت وقفه ومنع راتبه، ما دفعه إلى فتح مشروع تجاري بسيط، قبل أن يُحطم محله ويُعتقل مرة أخرى حتى اليوم.

 


وقال معتقل سابق، أُشير إليه بالحروف “أ. ع”، إنه بعد إخلاء سبيله عام 2017 عانى أزمة قاسية في البحث عن عمل، خاصة أن والده كان معتقلًا ومريضًا، وتوفي لاحقًا بمرض نادر بسبب التعذيب في سجن العزولي التابع للجيش.


وأوضح أنه دار على مصانع العاشر من رمضان والعبور بأوراق مؤهله العالي، إلا أن أصحاب الأعمال كانوا يطلبون “فيش وتشبيه”، وهو ما أغلق أمامه الأبواب، مؤكدًا أنه حتى اليوم لا يمتلك مصدر دخل ثابتًا ولا قدرة على بدء حياته بالزواج.


وفي حالات أخرى، رُصد حرمان مواطنين من التقدم إلى مسابقات التعيين في وزارات التعليم والأزهر والقضاء والنقل، بسبب تقارير أمنية تستبعد كل من له صلة بأسرة معتقل أو ناشط سياسي أو معارض في الداخل أو الخارج.

 


من الكتاب إلى الأكاديميين.. دائرة الحصار تتسع

 

امتد التضييق الاقتصادي والمهني إلى قمة الهرم الثقافي والإعلامي والأكاديمي، حيث وضعت السلطات، خلال عهد السيسي، مئات النشطاء والسياسيين والصحفيين والكتاب والأكاديميين على قوائم المنع من النشر والكتابة، كما أُدرج بعضهم على قوائم الإرهاب، وتعرض آخرون للفصل التعسفي أو المنع من العمل أو الاعتقال.

 

ومن بين الكتاب الذين طالتهم قيود المنع والتضييق: فهمي هويدي، وعبد الناصر سلامة، وعبد الله السناوي، وممدوح الولي، ووائل قنديل، وسليم عزوز، وقطب العربي، وعلاء الأسواني، بينما لا يزال عدد من الصحفيين والكتاب قيد الحبس، بينهم بدر محمد بدر، وتوفيق غانم، وأحمد أبو زيد، ومحمد سعيد، وصفاء الكوربجي، وسيد صابر، إلى جانب عشرات آخرين.

 


ورغم تأييده السابق للنظام الحالي، أُغلق برنامج الإعلامي الساخر باسم يوسف، قبل أن يغادر مصر، كما غادر البلاد إعلاميون وكتاب من بينهم يسري فودة، وحافظ الميرازي، وبلال فضل، والأكاديمي عمرو حمزاوي.


كما غادر فنانون مثل عمرو واكد، وخالد أبو النجا، وجيهان فاضل، ومحمد شومان، وهشام عبد الله، وهشام عبد الحميد، بسبب التضييق عليهم، بينما تعرض الفنان إيمان البحر درويش، النقيب الأسبق للمهن الموسيقية، للتضييق والاعتقال عقب انتقاده للنظام.


وفي الوسط الصحفي، اشتكت الصحفية رشا عزب من الملاحقات والتضييق المهني بسبب نشاطها ومواقفها السياسية، فضلًا عن تعرض صحفيين في موقع “مدى مصر” للملاحقة القانونية والأمنية.


أما في السلك الأكاديمي، فشملت دائرة التضييق أسماء مثل يحيى القزاز، وحسن نافعة، وحازم حسني، وعبد الجليل مصطفى، ومجدي قرقر، إلى جانب اضطرار أستاذ العلوم السياسية سيف الدين عبد الفتاح إلى الهجرة للخارج، فضلًا عن اعتقال مئات الأكاديميين.


وتفجرت بين عام 2019 ومطلع العام الجاري قضية أستاذة الهندسة الميكانيكية بالمعهد التكنولوجي العالي، الدكتورة منار الطنطاوي، التي حُرمت من الترقية إلى درجة أستاذ، بسبب تضامنها مع زوجها الصحفي هشام جعفر، الذي أُخلي سبيله في نيسان/أبريل 2019 بعد إغلاق المؤسسة البحثية “مدى” التي كان يديرها.

 


وتقول الحقوقية المصرية سمر الحسيني، المدير التنفيذي لـ“المنبر المصري لحقوق الإنسان”، إن حالة أحمد الطنطاوي نموذج حقيقي على أن النظام المصري يعاقب الناس على ممارسة حقهم في المشاركة السياسية بطرق مختلفة.


وأضافت الحسيني أن حالة الطنطاوي ليست فريدة، لكنها كاشفة لحجم المأساة، موضحة أن هناك نشطاء سياسيين تتجنب المؤسسات تشغيلهم خوفًا من مساءلة الأمن الوطني، ما يدفع أصحاب الأعمال إلى الابتعاد عن كل من له سجل معارض.


وترى الحسيني أن هذا النمط قائم منذ عهد حسني مبارك، لكنه توسع في عهد السيسي، مع ازدياد خوف قطاعات الأعمال والأوساط الأكاديمية والإعلامية من توظيف أو التعاون مع المعارضين.


وأكدت أن الملف لا يمس الحقوق السياسية فقط، بل يمس أيضًا الحقوق الاقتصادية وحق المواطن في العمل دون تمييز على أساس الانتماء السياسي أو المشاركة في الحياة العامة.


من جانبه، قال الباحث الحقوقي أحمد هلال إن الدولة المصرية تقف أمام منعطف خطير، في ظل ضغط واحتقان سياسي واجتماعي، يتحول فيه الخلاف السياسي تدريجيًا إلى عداوات شخصية وتتبع لتفاصيل حياة المعارضين.


وأوضح هلال أن إعلان الطنطاوي بحثه عن عمل أعاد إلى الواجهة قضية الضغوط الاقتصادية التي تُستخدم ضد شخصيات سياسية وصحفية وحقوقية معارضة، مشيرًا إلى أن الرجل الذي شغل عضوية البرلمان وخاض سباق الرئاسة وجد نفسه يعلن استعداده للعمل كمقدم برامج أو كاتب أو محاضر أو باحث.


وأكد أن هذه الضغوط لا تقتصر على الملاحقات السياسية والقيود الأمنية، بل تشمل تراجع فرص العمل وصعوبة الظهور الإعلامي وإغلاق المساحات المهنية التي كانت توفر مصادر دخل مستقرة، ما يخلق عبئًا اقتصاديًا إضافيًا على المعارضين وأسرهم.

 

 

ولفت هلال إلى أن حالة الطنطاوي ليست الأولى، إذ تحدث سياسيون وصحفيون وحقوقيون عن معاناتهم في الحصول على وظائف أو الاستمرار في أعمالهم بعد اتخاذ مواقف معارضة للسلطة، واضطر بعضهم إلى العمل في مجالات بعيدة عن تخصصاتهم أو السفر للخارج.


ومن الأمثلة التي تُطرح في هذا السياق خالد داود، الذي تحدث عن التضييق على العاملين في المجالين السياسي والإعلامي، وزياد العليمي، الذي أثرت سنوات حبسه على مساره المهني والسياسي، وهشام قاسم، الذي ربط أنصاره بين مواقفه السياسية وما تعرض له من ضغوط وملاحقات.


ويؤكد حقوقيون أن منشور أحمد الطنطاوي لم يكن مجرد إعلان بحث عن وظيفة، بل تحول إلى وثيقة رمزية تكشف كيف يمتد الصراع بين السلطة والمعارضة من المجال السياسي إلى المجال الاقتصادي والمعيشي، حيث يصبح حق العمل نفسه جزءًا من أدوات الضغط والعقاب.

 

وفي المقابل، تنفي السلطات المصرية عادة وجود سياسة ممنهجة لاستهداف المعارضين اقتصاديًا، وتؤكد أن الإجراءات المتخذة تستند إلى اعتبارات قانونية وأمنية، وليست بسبب المواقف السياسية، إلا أن شهادات الضحايا والحقوقيين تكشف فجوة واسعة بين الرواية الرسمية والواقع اليومي الذي يعيشه المعارضون وأسرهم.