أصدرت السفارة الأمريكية في بغداد تحذيرًا أمنيًا عاجلًا لمواطني الولايات المتحدة الموجودين في العراق، دعتهم فيه إلى مغادرة البلاد فورًا، بالتزامن مع تصاعد التوتر الإقليمي وإعلانات أمريكية عن ضربات جديدة ضد إيران.
ويكشف التحذير أن العراق عاد إلى موقعه الأكثر حساسية في أي مواجهة بين واشنطن وطهران، بسبب وجود مصالح وقوات أمريكية على أراضيه، ووجود فصائل مسلحة قد تتحرك إذا اتسعت دائرة الحرب.
تحذير أمريكي عاجل من البقاء في العراق
قالت السفارة الأمريكية في بغداد إن التطورات الإقليمية الأخيرة تفرض على المواطنين الأمريكيين في العراق الحفاظ على أعلى درجات اليقظة، ومتابعة مصادر الأخبار المحلية بشكل مستمر خلال المرحلة الحالية.
ودعت السفارة رعاياها إلى مغادرة العراق فورًا، محذرة من احتمال حدوث اضطرابات في حركة السفر أو إغلاقات مفاجئة للمجال الجوي دون إشعار مسبق، وهو تحذير يعكس حجم القلق الأمني.
كما ذكّرت السفارة بأن العراق لا يزال مصنفًا ضمن تحذير السفر من المستوى الرابع، وهو أعلى مستويات التحذير الأمريكية، ويعني عدم السفر إلى البلاد لأي سبب.
ويأتي التشديد على المغادرة الفورية في توقيت لا يبدو إداريًا أو روتينيًا، لأن المنطقة تشهد تصعيدًا مباشرًا بين الولايات المتحدة وإيران، مع تحذيرات متزايدة من امتداد المواجهة إلى ساحات حليفة أو قريبة.
وبذلك تضع واشنطن رعاياها في العراق أمام رسالة واضحة: البقاء لم يعد خيارًا آمنًا، وحركة الطيران قد تتعطل، والمجال الجوي قد يغلق، والمخاطر قد تتغير بسرعة أكبر من قدرة السفارة على التدخل.
وتكتسب بغداد حساسية خاصة في هذا المشهد، لأن العراق كان خلال السنوات الماضية ساحة ضغط متبادل بين الولايات المتحدة وإيران، سواء عبر القواعد العسكرية أو الفصائل المسلحة أو الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة.
تصعيد أمريكي ضد إيران يرفع مستوى الإنذار
تزامن التحذير مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال فيها إن الولايات المتحدة ستوجه ضربة قوية أخرى إلى إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يوقف التصعيد القائم.
وقال ترامب إن واشنطن وجهت ضربة قوية إلى إيران وتعتزم تنفيذ ضربة جديدة، في مؤشر على أن مسار المفاوضات لم يعد قادرًا وحده على تهدئة المواجهة.
وجاءت هذه التصريحات بعد تعثر المحادثات بين واشنطن وطهران، التي بدأت بعد الهدنة المعلنة في 8 أبريل، عقب الحرب التي اندلعت في 28 فبراير بمشاركة الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
غير أن المفاوضات لم تمنع التصعيد العسكري، إذ أعلنت واشنطن فرض حصار على الموانئ الإيرانية منذ 13 أبريل، بما في ذلك موانئ قريبة من مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة العالمية.
وفي هذا السياق، تصبح دعوة الأمريكيين لمغادرة العراق جزءًا من إدارة أوسع للأزمة، لأن واشنطن تتوقع احتمال ردود إيرانية أو تحركات من حلفاء طهران في أكثر من ساحة إقليمية.
كما أن التحذير لا يخص العراق وحده، بل يرتبط بخريطة أوسع تمتد من الخليج إلى الأردن وسوريا ولبنان، حيث يمكن لأي ضربة أمريكية جديدة أن تفتح سلسلة ردود يصعب احتواؤها سريعًا.
مروحية أباتشي وهرمز يزيدان خطر اتساع المواجهة
زاد حادث تحطم مروحية أمريكية من طراز أباتشي قرب مضيق هرمز من حدة التوتر، بعدما قال ترامب إن الجيش الأمريكي أبلغه بأن الإيرانيين أسقطوها أثناء دورية فوق المضيق.
وأكد ترامب أن الطيارين اللذين كانا على متن المروحية بخير، لكنه استخدم الحادث لتأكيد أن واشنطن سترد بقوة، ما جعل الواقعة عنصرًا إضافيًا في تصعيد الخطاب العسكري.
ويمثل مضيق هرمز نقطة شديدة الحساسية في الأزمة، لأنه ممر رئيسي لإمدادات النفط العالمية، وأي اشتباك قربه يهدد الملاحة والطاقة ويؤثر في الأسعار وحركة السفن والتأمين الدولي.
ومن هنا تبدو بغداد مرتبطة بالمضيق بصورة غير مباشرة، لأن أي تصعيد بين واشنطن وطهران في هرمز قد يدفع قوى مرتبطة بإيران إلى الضغط على المصالح الأمريكية داخل العراق.
كما أن التحذير من اضطراب حركة الطيران وإغلاق المجال الجوي يعكس خوفًا من انتقال المواجهة إلى أجواء المنطقة، وليس فقط إلى قواعد عسكرية أو سفن في الخليج.
وتخشى الولايات المتحدة من أن يتحول العراق إلى ساحة رد منخفض الكلفة بالنسبة لطهران أو حلفائها، إذ يستطيع أي هجوم محدود على موقع أمريكي أن يفتح أزمة أمنية وسياسية واسعة.
وفي المقابل، تواجه الحكومة العراقية موقفًا شديد التعقيد، لأنها مطالبة بحماية البعثات الأجنبية والمصالح المدنية، وفي الوقت نفسه تفادي تحويل البلاد إلى منصة أو هدف في مواجهة لا تملك قرارها.
وتبقى دعوة السفارة الأمريكية لرعاياها بالمغادرة علامة على أن واشنطن تتعامل مع المرحلة باعتبارها قابلة للانفجار، لا مجرد موجة توتر عابرة يمكن احتواؤها ببيانات دبلوماسية.
وفي النهاية، يحمل التحذير الأمريكي رسالة أبعد من سلامة الرعايا، فهو يقول إن العراق دخل مجددًا دائرة الخطر مع التصعيد ضد إيران، وأن الساعات المقبلة قد تحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه إلى احتواء محدود أم مواجهة أوسع.

