بينما يواصل الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على قطاع غزة، تتحرك في القاهرة جولة تفاوضية حساسة لا تقل خطورة عن الميدان، عنوانها الأبرز هو ملف سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية، الذي ظل طوال الشهور الماضية واحدًا من أعقد الملفات التي عطّلت الانتقال إلى مراحل أكثر تقدمًا من اتفاق وقف إطلاق النار.
وتشير المعطيات المتداولة من أجواء مباحثات القاهرة إلى أن الوسطاء يحاولون هذه المرة نقل النقاش من صيغة الصدام المباشر حول “نزع السلاح” إلى صيغة أكثر مرونة تقوم على “حصر السلاح” ضمن إطار وطني فلسطيني، بما يفتح الباب أمام تفاهمات قد تكسر حالة الجمود، دون أن تظهر الفصائل وكأنها خضعت لشروط الاحتلال أو سلّمت إحدى أوراق قوتها الأساسية.
عقدة السلاح في القاهرة: من الرفض المطلق إلى سؤال الضمانات
لليوم الرابع على التوالي، تتواصل مباحثات القاهرة بمشاركة إقليمية ودولية واسعة، في ظل حضور رئيسي المخابرات المصرية والتركية، ورئيس الوزراء القطري، وبالتنسيق مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف وقيادات من حركة حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية..
وتتمحور الجولة الراهنة حول إعادة صياغة البندين الثامن والتاسع من مسوّدة خطة ملادينوف، وهما البندان المرتبطان مباشرة بملف سلاح المقاومة، الذي تراه إسرائيل والولايات المتحدة عقبة رئيسية أمام الانتقال إلى مرحلة جديدة من الاتفاق، بينما تعتبره الفصائل الفلسطينية جزءًا من معادلة الحماية والردع في ظل استمرار الاحتلال وعدوانه.
وبحسب قراءة المحلل الصحفي وسام عفيفة، فإن التحول اللافت في هذه الجولة لا يتمثل في طرح ملف السلاح للمرة الأولى، بل في طبيعة النقاش نفسه. فالمسألة لم تعد تدور حول سؤال الرفض أو القبول، وإنما حول الكيفية والتوقيت والضمانات والإطار الذي يمكن أن يجري من خلاله أي ترتيب مستقبلي.
وتتمسك الفصائل الفلسطينية، وفق المعطيات المتداولة، بعدة محددات أساسية، أبرزها عدم المساس بالسلاح الفردي، وربط أي ترتيبات بمراحل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، ورفض الحديث عن أي تسليم أو تنظيم للسلاح قبل القضاء على ظاهرة “العصابات العميلة”، إضافة إلى اشتراط أن يكون أي إجراء في هذا الملف فلسطينيًا خالصًا، ومرتبطًا بحل سياسي شامل لا بترتيبات أمنية مؤقتة.
هذه المحددات تمنح الوسطاء مساحة للحركة، لكنها في الوقت نفسه تضع سقفًا واضحًا أمام أي محاولة لتحويل المفاوضات إلى بوابة لفرض شروط الاحتلال. فالفصائل تبدو مستعدة لمناقشة الصيغ، لكنها ترفض تحويل السلاح إلى ورقة ابتزاز أو شرط مسبق لتعطيل الانسحاب وفتح المعابر وإعادة الإعمار.
حصر السلاح لا نزعه: صيغة وسط بين شروط الاحتلال وثوابت الفصائل
في المقاربة التي يطرحها الباحث والمحلل السياسي إياد القرا، لا يدور النقاش الحالي حول “نزع السلاح” بالمفهوم الإسرائيلي التقليدي، بل حول “حصر السلاح” داخل إطار وطني فلسطيني توافقي، وهو فارق جوهري قد يحدد مصير الجولة الحالية من المفاوضات.
فمصطلح نزع السلاح يعني، في جوهره، الاستجابة المباشرة لمطلب الاحتلال وتجريد المقاومة من أدواتها، بينما يعني حصر السلاح تنظيمه ضمن معادلة داخلية فلسطينية مرتبطة بمسار سياسي وأمني أوسع، وليس بقرار إسرائيلي أو أمريكي منفرد. ومن هنا تحاول المقاربة الجديدة الجمع بين مطلب واشنطن وتل أبيب بوجود ضمانات أمنية، وبين رفض الفصائل التخلي عن السلاح باعتباره أحد عناصر القوة في مواجهة الاحتلال.
وتبدو هذه الصيغة محاولة لتوفير مخرج تفاوضي يحفظ ماء وجه جميع الأطراف. فهي تمنح الوسطاء قدرة على القول إن ملف السلاح لم يعد خارج النقاش، وفي الوقت نفسه تمنح الفصائل مساحة للتأكيد أن الأمر لا يتعلق بالتسليم أو النزع، بل بترتيبات وطنية لا يمكن فصلها عن الانسحاب الكامل ووقف العدوان وفتح المعابر وإعادة بناء القطاع.
وتبرز أهمية هذه الصيغة في أنها تسقط، نظريًا، الذريعة التي استخدمها الاحتلال خلال الأشهر الماضية لتبرير تعطيل تنفيذ الاتفاق. فإذا قبلت الفصائل مناقشة حصر السلاح وفق إطار فلسطيني، يصبح العبء منتقلًا إلى الطرف الأمريكي والإسرائيلي، اللذين سيكونان مطالبين بدفع تنفيذ البنود المؤجلة، لا الاستمرار في تعليق كل شيء على الملف الأمني.
ومن بين هذه البنود الانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة، وتفعيل اللجنة الإدارية المنبثقة عن الاتفاق، وإطلاق مسار إعادة الإعمار، وفتح المعابر بصورة تضمن تدفق المساعدات وعودة الحد الأدنى من الحياة إلى القطاع المنهك. لذلك تبدو القاهرة وكأنها تبحث عن جسر دقيق بين الثوابت الفلسطينية والحسابات الدولية، لا عن اتفاق جديد يعيد رسم المشهد من الصفر.
واشنطن تبحث عن إنجاز: ثلاثة سيناريوهات أمام مفاوضات القاهرة
لا يمكن فصل مفاوضات القاهرة عن السياق الإقليمي المتوتر، حيث تتزامن الجولة مع تصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل، وتعثر عدد من الملفات الإقليمية التي تضع الإدارة الأمريكية تحت ضغط متزايد. وفي ظل هذا المشهد، تبدو واشنطن بحاجة إلى اختراق سياسي يمكن تقديمه كإنجاز دبلوماسي في ملف ساخن، ويأتي ملف غزة في مقدمة المسارات المرشحة لذلك.
أما إسرائيل، فتجد نفسها أمام مأزق مركب. فحكومة بنيامين نتنياهو تواجه ضغوطًا داخلية وخارجية، وتبحث عن مخرج يمكن تسويقه سياسيًا بعد شهور من العدوان دون تحقيق إنجاز واضح في غزة. كما أن استمرار خرق الاتفاق يضع الاحتلال في مواجهة متزايدة مع الوسطاء والرعاة الإقليميين، خاصة أن الاتفاق تشكل أساسًا برعاية أمريكية ومصرية وقطرية منذ أكتوبر الماضي.
في ضوء ذلك، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة. السيناريو الأول هو تحقيق اختراق محدود، عبر التوصل إلى صياغة توافقية حول حصر السلاح ضمن إطار وطني فلسطيني، بما يفتح الطريق أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، خصوصًا ما يتعلق بالانسحاب وفتح المعابر وإعادة الإعمار. ويبدو هذا السيناريو الأكثر حضورًا في الأجواء الدبلوماسية المتداولة.
السيناريو الثاني هو إطالة أمد التفاوض، بحيث تنجح جولة القاهرة في منع الانهيار الكامل للمسار، لكنها تفشل في إنتاج اتفاق نهائي. في هذه الحالة ستبقى المفاوضات مستمرة تحت ضغط الميدان والوسطاء، بانتظار متغيرات إقليمية أو أمريكية أو إسرائيلية تدفع نحو الحسم.
أما السيناريو الثالث فهو انهيار المسار التفاوضي، سواء بشكل معلن أو عبر تعطله الفعلي، إذا عجزت المباحثات عن ردم الهوة بين موقف الاحتلال وموقف الفصائل. غير أن هذا السيناريو يبدو أقل احتمالًا في ظل الكلفة السياسية والإنسانية الباهظة لاستمرار العدوان، وخشية الأطراف الراعية من سقوط الاتفاق بالكامل.
في المحصلة، تبدو القاهرة أمام لحظة تفاوضية شديدة الحساسية. فالمطروح ليس مجرد بند أمني في اتفاق مؤجل، بل محاولة لإعادة تعريف واحدة من أعقد قضايا الصراع: سلاح المقاومة. وبين مطلب الاحتلال بنزعه، وتمسك الفصائل باعتباره جزءًا من معادلة الحماية، يتحرك الوسطاء فوق أرض ضيقة، بحثًا عن صيغة تفتح الباب أمام وقف العدوان وتنفيذ الاستحقاقات المؤجلة، دون أن تتحول إلى بوابة جديدة لفرض الشروط الإسرائيلية على الفلسطينيين.

