وثق مصطفى كساب قائد فريق وحوش النيل، انتشال 11 جثمانًا خلال 10 أيام من مياه نهر النيل، بالقناطر الخيرية،  مع استمرار الإجراءات بشأن جثمان مجهول الهوية لم تتعرف عليه أسرته حتى الآن.

 

وتضع هذه الحصيلة الحكومة أمام ملف إنساني ثقيل، لأن الجثامين التي استقرت قرب خزان القناطر جاءت من محافظات مختلفة، بينما يظل الإنقاذ في كثير من الوقائع متأخرًا عن لحظة الغرق لا سابقًا عليها.

 

 

القناطر مركز تجمع الجثامين لا مركز إنقاذ

 

بدأت أعمال البحث منذ يوم وقفة عيد الأضحى المبارك، بعدما تلقى فريق وحوش النيل بلاغًا عن غريق في نطاق مدينة القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية، ثم تحولت المهمة إلى حصيلة ممتدة من الجثامين.

 

وبحسب كساب، أسفرت عمليات البحث المتواصلة على مدار 10 أيام عن انتشال 11 جثمانًا لغرقى من محافظات مختلفة، بينها محافظات الصعيد وبني سويف، قبل تسليم المعروفين منهم إلى ذويهم بعد الإجراءات القانونية.

 

ثم أظهرت تفاصيل الواقعة أن محيط خزان القناطر الخيرية يستقبل جثامين قادمة مع حركة المياه، وهو ما يفسر تكرار العثور على ضحايا لا ينتمون إلى القليوبية وحدها، بل إلى محافظات أبعد على مجرى النيل.

 

ويمنح كلام كساب، بوصفه غواص إنقاذ ميداني وقائد فريق تطوعي معروف، الواقعة وزنًا مهنيًا مهمًا، لأنه لا يتحدث من مكتب حكومي، بل من نقطة احتكاك مباشرة مع المياه والجثث وأسر الغرقى.

 

لكن استمرار وجود جثمان مجهول الهوية يكشف ثغرة أشد قسوة، لأن الدولة لا تملك حتى الآن منظومة معلنة وسريعة تربط بلاغات الاختفاء بحركة المياه والمشارح والإنقاذ النهري في المحافظات المختلفة.

 

لذلك لا تبدو القناطر مجرد موقع انتشال، بل تبدو محطة أخيرة لفشل ممتد يبدأ من الترع المفتوحة، ويمر بضفاف بلا حواجز، وينتهي بمشرحة مستشفى القناطر الخيرية أمام أسر تبحث عن أبنائها.

 

 

شواطئ الفقراء تفضح غياب الوقاية

 

وفي أسوان، سجلت مديرية الصحة 22 حالة غرق خلال 3 أشهر فقط، بينها 13 حالة في مايو، و7 حالات في أبريل، وحالتان في فبراير، ما يكشف أن النيل صار بديلًا قاسيًا عن أماكن ترفيه آمنة.

 

وتوزعت أغلب هذه الحالات، وفق البيانات المنشورة، في كورنيش النيل ومنطقة الخزان وجزيرة بربر والسباعية والرمادي بإدفو، وهي مناطق يعرفها الأهالي باعتبارها شواطئ الفقراء بسبب غياب الرسوم والبدائل.

 

وهنا يبرز رأي الدكتور نادر نور الدين، أستاذ المياه والأراضي بجامعة القاهرة، في أهمية فهم حركة النهر ومناسيبه ومناطق التصريف، لأن الخطر لا يصنعه وجود المياه وحده، بل طريقة إدارة الضفاف.

 

كما تكشف الحوادث أن الفقراء يذهبون إلى النيل والترع هربًا من الحر أو بحثًا عن متنفس مجاني، بينما تنفق الحكومة على واجهات عمرانية واسعة وتترك نقاط الخطر اليومية بلا إنقاذ حاضر ولا توعية كافية.

 

وبالتزامن مع موجة الحر، شهدت أسوان في 19 مايو انتشال جثث 3 أشخاص غرقوا أثناء السباحة في النيل، وهي واقعة تشرح كيف يتحول الهروب من الطقس إلى موت سريع في غياب رقابة فعالة.

 

ولا تقف خريطة الغرق عند أسوان، فقد شهدت سوهاج في 31 مايو غرق طفلين شقيقين في نهر النيل بمركز المنشاة، قبل نقل الجثمانين إلى مشرحة المستشفى المركزي تحت تصرف جهات التحقيق.

 

وعلى المسار نفسه، لقي طالب مصرعه في 31 مايو داخل نهر النيل بجوار منطقة عبارة نقادة جنوب قنا، ثم سجلت المنيا في 1 يونيو غرق طفل عمره 11 عامًا قرب قرية السريرية.

 

 

أرقام 2026 تكسر الصمت الرسمي

 

منذ يناير 2026، نشرت الصحف المحلية وقائع متفرقة لا تشكل حصرًا وطنيًا كاملًا، لكنها تكشف نمطًا متكررًا يبدأ بالأطفال قرب الترع، ويمتد إلى الشباب في النيل، وينتهي بجملة واحدة هي انتشال الجثمان.

 

في 9 يناير، شهدت الدقهلية غرق طفل عمره عام ونصف في ترعة أمام منزله ببلقاس، وفي اليوم نفسه سجلت البحيرة غرق طفلة داخل ترعة أثناء اللهو أمام منزلها بمركز إيتاي البارود.

 

وفي 9 يناير أيضًا، لقي طفلان شقيقان مصرعهما في نهر النيل بأخميم في سوهاج، ثم تكررت وقائع يناير في منشأة القناطر والوراق وقصر النيل والبحيرة، بما يجعل الشهر بداية دامية للعام.

 

بعد ذلك سجل فبراير وقائع جديدة في سوهاج والبحيرة، بينها غرق طفل في ترعة الفاروقية بساقلته، وغرق طفل بترعة قاو غرب في طهطا، وغرق طفل في ترعة المحمودية بمركز أبو حمص.

 

وتعطي هذه الوقائع معنى واضحًا لرأي مالك عدلي، المحامي الحقوقي ومدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لأن الحق في الحياة لا ينفصل عن مسؤولية المرافق العامة وحماية الناس من أخطار معروفة ومتكررة.

 

كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الغرق يقتل نحو 300 ألف شخص سنويًا حول العالم، وأن 92% من الوفيات تقع في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، وهو توصيف يضع مصر داخل دائرة الخطر لا خارجها.

 

وتشير المنظمة كذلك إلى أن الأطفال دون 5 سنوات يمثلون قرابة ربع وفيات الغرق عالميًا، وأن الغرق يعد سببًا رئيسيًا لوفاة الأطفال بين 5 و14 عامًا، ما يفضح غياب برامج الوقاية المبكرة.

 

وعلى المستوى المحلي، لا توجد حصيلة وطنية موحدة منشورة لحالات الغرق في النيل والترع منذ مطلع العام، ولذلك تصبح الوقائع الصحفية المتناثرة بديلًا اضطراريًا لرصد كارثة لا تجمعها الحكومة في قاعدة بيانات معلنة.

 

وتمنح خبرة الدكتورة هالة صقر، المشاركة ضمن فريق التقرير العالمي للوقاية من الغرق بمنظمة الصحة العالمية، قيمة إضافية لمحور الوقاية، لأن التقرير يضع تعليم السباحة والإنقاذ والإسعاف ضمن تدخلات قابلة للتنفيذ.

 

لكن الحكومة المصرية لا تظهر حتى الآن خطة عامة تلزم المحافظات بتحديد نقاط الغرق، أو نشر فرق إنقاذ موسمية، أو تركيب لافتات وحواجز في المواقع المفتوحة، أو تعليم الأطفال أساسيات السلامة المائية.

 

لذلك تتحول كل واقعة إلى خبر منفصل، وتتحول كل أسرة إلى باحثة وحيدة عن جثمان، وتظل المشارح آخر عنوان رسمي يتعامل مع الضحية بعد فوات فرصة الإنقاذ والوقاية والمحاسبة.

 

وتكشف جثامين القناطر أن المشكلة أكبر من حادث محلي، لأن المياه حملت ضحايا من محافظات مختلفة إلى نقطة واحدة، بينما بقيت الحكومة حاضرة في المحضر والمشرحة وغائبة عن الحماية المسبقة.

 

وفي النهاية، لا تحتاج مصر إلى بيانات تعزية جديدة، بل تحتاج إلى سجل وطني معلن لحوادث الغرق، وخريطة خطر للترع والنيل، وتمويل إنقاذ حقيقي، ومحاسبة كل مسؤول ترك ضفة مفتوحة على موت متكرر.