في وقت تتواصل فيه الحرب السودانية للعام الثالث على التوالي، تتكشف تباعاً خيوط شبكات لوجستية معقدة يُعتقد أنها لعبت دوراً محورياً في استمرار تدفق العتاد والمعدات إلى ساحات القتال.


وفي هذا السياق، يكشف تحقيق استقصائي موسع، استند إلى بيانات تتبع الطيران وسجلات الشحن الجوي والبحري ومصادر مفتوحة متعددة، عن ملامح شبكة إمداد عسكرية غير معلنة تنطلق من الإمارات، وتتخذ من إثيوبيا مركزاً رئيسياً لإعادة التوزيع، قبل أن تصل شحناتها إلى مناطق سيطرة قوات الدعم السريع في السودان.

 

ويستند التحقيق إلى تحليل مئات الرحلات الجوية وحركة السفن التجارية خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر 2025 وفبراير 2026، حيث جرى تتبع أنماط تشغيل متكررة لطائرات شحن وسفن نقل ارتبطت بمسارات غير تقليدية، اتسمت بإخفاء الوجهات وإطفاء أنظمة التتبع والاعتماد على نقاط عبور متعددة لتجاوز القيود السياسية والأمنية المتزايدة في المنطقة.

 

تحولات إقليمية أعادت رسم خريطة الإمداد


تشير المعطيات التي جمعها التحقيق إلى أن شبكة الإمداد المزعومة لم تظهر بشكلها الحالي دفعة واحدة، بل جاءت نتيجة تحولات إقليمية متسارعة أدت إلى إغلاق أو تقييد عدد من الممرات التقليدية التي كانت تُستخدم سابقاً لنقل الشحنات نحو السودان.

 

فمع تصاعد التوترات السياسية والعسكرية في المنطقة خلال أواخر عام 2025، واجهت الطائرات المنطلقة من الإمارات صعوبات متزايدة في استخدام الأجواء السعودية والمصرية، بينما أقدمت الحكومة الصومالية على اتخاذ إجراءات حدّت من حركة الطيران الإماراتي فوق أراضيها، في الوقت الذي تراجعت فيه أهمية الأراضي التشادية كممر لوجستي بفعل الضغوط الأمنية والتطورات العسكرية على الحدود السودانية.

 

هذه المتغيرات دفعت، بحسب التحقيق، إلى إعادة هندسة خطوط النقل بالكامل، والبحث عن بدائل أقل خضوعاً للرقابة الدولية والإقليمية، وهو ما منح إثيوبيا موقعاً متقدماً داخل منظومة النقل الجديدة.

 

إثيوبيا.. من محطة عبور إلى مركز تشغيل


تكشف البيانات أن إثيوبيا لم تعد مجرد نقطة عبور على مسار الرحلات، بل تحولت تدريجياً إلى عقدة تشغيل مركزية تستقبل الشحنات الجوية والبحرية وتعيد توزيعها عبر مسارات برية باتجاه السودان.

 

وقد اعتمد التحقيق على تحليل إشارات الرادار المفتوحة عبر منصات تتبع الطيران، ومقارنة بيانات التسجيل والملكية للطائرات، بالإضافة إلى دراسة أنماط اختفاء الإشارات الجوية وتوقيتاتها ومواقعها الجغرافية.

 

وأظهرت النتائج تكراراً لافتاً لنمط تشغيلي واحد: طائرات شحن تقلع من مطارات إماراتية، تعلن وجهات مختلفة أو تخفي وجهتها بالكامل، ثم تتجه نحو القرن الإفريقي قبل أن تختفي إشاراتها داخل الأجواء الإثيوبية أو على مقربة منها، لتظهر لاحقاً في رحلات العودة.

 

ويرى معدو التحقيق أن هذا السلوك لا يبدو عشوائياً، بل يعكس وجود آلية تشغيل منظمة تعتمد على إخفاء أجزاء من الرحلة عن أنظمة التتبع المفتوحة.

 

«باتوت إير».. شركة حديثة في قلب النشاط الجوي


أحد أبرز الخيوط التي رصدها التحقيق تمثل في شركة "Batot Air" المسجلة في بوركينا فاسو، والتي برز اسمها بشكل مفاجئ خلال الأشهر الأولى من عام 2026.

 

وبحسب البيانات المتاحة، تمتلك الشركة أسطولاً صغيراً من طائرات الشحن السوفيتية الصنع، أبرزها طائرات "إليوشن 76" و"أنتونوف 12"، وهي طائرات اشتهرت تاريخياً باستخدامها في العمليات اللوجستية بالمناطق النائية ومناطق النزاعات بسبب قدرتها على العمل في مدارج غير مجهزة.

 

ورغم حداثة تأسيس الشركة وقصر عمرها التشغيلي، فإن نشاطها الجوي بدا مكثفاً بصورة لافتة، حيث سُجلت عشرات الرحلات بين الإمارات وإثيوبيا خلال فترة زمنية قصيرة.

 

وتشير سجلات التتبع إلى أن عدداً من هذه الرحلات اتبع النمط ذاته؛ إذ كانت الطائرات تقلع من مطارات إماراتية ثم تطفئ إشارات التتبع عند دخول الأجواء الإثيوبية أو بالقرب منها، قبل أن تعاود الظهور لاحقاً في رحلات العودة.

 

ويلاحظ التحقيق أن الشركة، رغم تسجيلها الرسمي في بوركينا فاسو، لم تُظهر أي نشاط يُذكر داخل الدولة المسجلة فيها، فيما تركزت معظم رحلاتها بين الإمارات وإثيوبيا، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشراً يستحق التوقف عنده.

 

شركات متعددة.. ومسار واحد


لم تقتصر الظاهرة على شركة واحدة، بل امتدت إلى مجموعة من شركات الشحن الجوي التي ظهرت في السجلات خلال الفترة نفسها.

 

فقد رُصدت طائرات شحن ثقيلة مرتبطة بشركة "Maximus Air" الإماراتية تنفذ رحلات متكررة إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، مستخدمة المسارات الجوية ذاتها تقريباً.

 

كما ظهرت شركة "Zebu Air" ضمن الشبكة التشغيلية نفسها، حيث أظهرت سجلات الطيران أن بعض طائراتها أعلنت وجهات مختلفة عند الإقلاع، قبل أن تتجه فعلياً نحو إثيوبيا.

 

ويضيف التحقيق أن بعض الطائرات المرتبطة بهذه الشركات سبق أن انتقلت بين عدة دول وشركات تشغيل خلال سنوات قليلة، وهو ما يصفه خبراء الطيران بأنه نمط متكرر في قطاع النقل الجوي المستخدم بالمناطق عالية المخاطر، حيث يجري أحياناً تغيير التسجيلات والهويات التشغيلية بصورة متكررة.

 

شركات خاضعة للعقوبات على الخط نفسه


ومن أكثر ما يلفت الانتباه في نتائج التحقيق ظهور شركات سبق أن وردت أسماؤها في تقارير دولية أو خضعت لعقوبات غربية بسبب أنشطة مرتبطة بنقل معدات عسكرية في مناطق نزاع مختلفة.

 

فقد أظهرت البيانات أن طائرات تابعة لشركات مثل "Rubystar Airways" و"Abakan Air" سلكت المسارات نفسها تقريباً بين الإمارات وإثيوبيا، مع تسجيل أنماط متشابهة من إخفاء الوجهات أو تعطيل إشارات التتبع في نقاط محددة.

 

ويشير ذلك، بحسب التحقيق، إلى وجود بنية تشغيلية أوسع تتجاوز حدود شركة واحدة أو دولة واحدة، وتعتمد على شبكة متنوعة من المشغلين الذين يستخدمون الأسلوب ذاته.

 

البحر يدخل على الخط


ولم تتوقف خيوط التحقيق عند المجال الجوي، بل امتدت إلى حركة الشحن البحري في القرن الإفريقي.

 

فقد أظهرت بيانات الملاحة البحرية وصول عدد من السفن القادمة من الإمارات إلى مناطق قريبة من موانئ بربرة وبوصاصو خلال أوقات متقاربة مع الرحلات الجوية التي جرى رصدها.

 

وبحسب التحقيق، فإن بعض السفن رست في مواقع خارج الأرصفة الرسمية للموانئ، الأمر الذي جعل نشاطها أقل ظهوراً في السجلات التقليدية.

 

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية توسعاً في بعض المرافق اللوجستية غير الرسمية خلال العامين الأخيرين، ما عزز فرضية استخدام هذه المواقع كنقاط وسيطة لنقل الشحنات.

 

من الموانئ إلى الحدود السودانية


عقب وصول الشحنات البحرية، تتجه الأنظار إلى المسار البري داخل الأراضي الإثيوبية.

 

فقد وثقت مقاطع مصورة وتحليلات جغرافية حركة قوافل من المركبات والشاحنات في مناطق قريبة من الحدود السودانية، خاصة في إقليم بني شنقول – غوموز.

 

وتشير نتائج التحليل إلى وجود طريق لوجستي يربط الموانئ الواقعة على ساحل البحر الأحمر والمحيط الهندي بالمناطق الحدودية مع السودان، بما يسمح بإعادة توزيع الشحنات بعيداً عن المراقبة المباشرة.

 

ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في ظل موقع الإقليم القريب من مناطق النزاع السودانية، ما يجعله نقطة استراتيجية داخل أي شبكة نقل عابرة للحدود.

 

شبكة متكاملة متعددة الوسائط


عند جمع البيانات الجوية والبحرية والبرية في صورة واحدة، يرسم التحقيق مشهداً أكثر تعقيداً مما يبدو للوهلة الأولى.

 

فالمسألة لا تتعلق برحلات منفردة أو عمليات نقل متفرقة، بل بمنظومة لوجستية متكاملة تعتمد على تنويع وسائل النقل وتوزيع المخاطر التشغيلية بين شركات مختلفة ومسارات متعددة.

 

وتبدأ هذه المنظومة، وفق المعطيات المتاحة، من مراكز انطلاق داخل الإمارات، ثم تمر عبر إثيوبيا باعتبارها نقطة ارتكاز رئيسية، قبل أن تتفرع نحو الأراضي السودانية من خلال ممرات برية وشبكات نقل محلية.

 

ويخلص التحقيق إلى أن إثيوبيا أصبحت تمثل الحلقة الأكثر أهمية في هذه المنظومة، ليس باعتبارها محطة عبور فحسب، بل باعتبارها مركزاً لإعادة توزيع الشحنات وربط المسارات الجوية بالطرق البرية والبحرية.

 

وفي ظل استمرار الحرب السودانية وما خلفته من خسائر بشرية وإنسانية هائلة، تطرح هذه المعطيات تساؤلات متزايدة حول طبيعة شبكات الإمداد التي تغذي النزاع، والدور الذي تلعبه البنى اللوجستية العابرة للحدود في إطالة أمد الحرب وتعقيد جهود التسوية السياسية والإنسانية في السودان.