سجل الدولار في مصر، الإثنين 18 مايو 2026، ارتفاعًا جديدًا فوق مستوى 53 جنيهًا في البنوك، ووصل في مصرف أبوظبي الإسلامي إلى 53.40 جنيه للشراء و53.50 جنيه للبيع، بينما سجل في البنك المركزي 53.26 جنيه للشراء و53.40 جنيه للبيع.
وتكشف القفزة الجديدة أن الحكومة لم تحم الجنيه بقاعدة إنتاجية صلبة، بل تركته تحت رحمة الأموال الساخنة والحرب في إيران وتوقعات وكالات التصنيف، بينما ينتظر المواطن الأثر المباشر في أسعار الغذاء والدواء والوقود والسلع المستوردة من دون حماية حقيقية.
الدولار يعود إلى منطقة الخطر فوق 53 جنيهًا
بدأت تعاملات اليوم على موجة ضغط واضحة على الجنيه، إذ عاد الدولار للتداول أعلى 53 جنيهًا مقتربًا من حاجز 54 جنيهًا، بعدما سجلت غالبية البنوك أسعارًا متقاربة بين 53.27 جنيه للشراء و53.37 جنيه للبيع، بما أنهى مرحلة الهدوء المؤقتة التي روجت لها الحكومة.
وبحسب الأسعار المعلنة، جاء أعلى سعر في مصرف أبوظبي الإسلامي عند 53.40 جنيه للشراء و53.50 جنيه للبيع، بينما ظهر أقل سعر ضمن الرصد عند بنك الإمارات دبي الوطني عند 53.17 جنيه للشراء و53.27 جنيه للبيع، وهو فارق يكشف توتر السوق لا استقراره.
وفي هذا المحور، يخدم رأي مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث في عربية أون لاين، تفسير الحركة اليومية للسعر، لأنه ربط عدم اتزان الدولار بتخارج الأموال الساخنة تحت ضغط الحرب الإيرانية، وهو ما يفضح هشاشة سوق يعتمد على مستثمر يدخل سريعًا ويخرج أسرع.
لذلك لا يمكن تقديم ارتفاع الدولار بوصفه حركة مصرفية عادية، لأن كل قرش جديد فوق 53 جنيهًا ينتقل إلى تكلفة الاستيراد والديون والمواد الخام، ثم يظهر في النهاية داخل فاتورة المواطن، بينما تواصل الحكومة الحديث عن مرونة السوق كأنها إنجاز مستقل عن المعيشة.
الأموال الساخنة تكشف هشاشة الاستقرار
كان الجنيه قد أنهى عام 2025 بأداء قوي، وارتفع بنحو 6.7% أمام الدولار بدعم من تحويلات المصريين بالخارج وعودة السيولة إلى القطاع المصرفي، لكن هذا التحسن لم يصمد طويلًا أمام أول موجة خروج كبيرة من استثمارات الأجانب في أدوات الدين.
ثم جاءت تقديرات فيتش لتكشف عمق المشكلة، إذ أشارت إلى أن الجنيه فقد نحو 10% من قيمته منذ نهاية فبراير 2026، نتيجة خروج تدفقات استثمارية أجنبية تجاوزت 10 مليارات دولار، مع بقاء البنك المركزي بعيدًا عن التدخل المباشر لحماية العملة.
وفي هذا السياق، يخدم رأي هاني جنينة، الخبير الاقتصادي، محور إدارة الصدمة، لأنه قال إن البنك المركزي اكتسب خبرة في التعامل مع الأموال الساخنة وامتصاص موجات التخارج، غير أن هذه الخبرة لا تلغي أن الاقتصاد نفسه ما زال حساسًا أمام خروج سريع للأجانب.
وبناء على ذلك، يصبح استقرار الجنيه مرهونًا بمزاج المستثمر الأجنبي أكثر من اعتماده على صادرات قوية أو صناعة منتجة، فحين تدخل الأموال الساخنة يتحسن السعر، وحين تخرج يضعف الجنيه، ويدفع المواطن الفارق في أسعار السلع لا في شاشة التداول فقط.
مرونة سعر الصرف أم تعويم دائم للمواطن
تدافع الحكومة والبنك المركزي عن مرونة سعر الصرف باعتبارها وسيلة لمنع عودة السوق الموازية والحفاظ على الاحتياطيات الأجنبية، وقد رأت فيتش أن عدم تدخل المركزي المباشر ساعد على استقرار السيولة الدولارية وعدم ظهور فجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.
لكن هذه المرونة نفسها تعني للمواطن أن الجنيه يتحرك نزولًا كلما اهتزت تدفقات الأجانب أو ارتفعت المخاطر الإقليمية، فالمصطلح الذي يبدو فنيًا داخل تقارير التصنيف يتحول في البيوت إلى ارتفاع في الدواء والزيوت والأعلاف ومدخلات الإنتاج وفاتورة النقل.
كما توقعت ستاندرد آند بورز ارتفاع الدولار إلى 55 جنيهًا بنهاية العام المالي الحالي، ثم 60 جنيهًا بنهاية العام المالي المقبل، قبل أن يصل إلى 63 جنيهًا في يونيو 2028 و66 جنيهًا في يونيو 2029، وهي أرقام ترسم مسار تآكل ممتدًا.
ومن هنا تخدم قراءة ستاندرد آند بورز هذا العنوان لأنها لا تتحدث عن قفزة عابرة، بل عن اتجاه تدريجي لصعود الدولار في ظل التزام السلطات بسعر صرف تحدده آليات السوق ضمن برنامج صندوق النقد، وهو التزام يدفع كلفته المواطن قبل المستثمر.
وزارة المالية تعرف الكلفة وتتركها تتضخم
تقول وزارة المالية إن زيادة سعر الصرف جنيها واحدًا تكلفها ما يزيد عن مليار جنيه، وترتفع الكلفة إلى 3 مليارات جنيه إذا وصل الدولار إلى 49 جنيهًا، و4 مليارات عند 50 جنيهًا، و5 مليارات عند 51 جنيهًا، و7 مليارات عند 52 جنيهًا.
وبما أن الدولار يتحرك الآن فوق 53 جنيهًا، فإن الحكومة تواجه كلفة أعلى على الموازنة والديون والواردات، لكنها في الوقت نفسه تمرر جزءًا من العبء إلى المواطنين عبر أسعار الطاقة والخدمات والسلع، وكأن عجز السياسة الاقتصادية يتحول إلى ضريبة غير معلنة على الفقراء.
كذلك لا يمكن فصل سعر الدولار عن توقعات التضخم والفائدة، فكل انخفاض في الجنيه يضع البنك المركزي أمام خيار أصعب بين تثبيت الفائدة لحماية العملة أو خفضها لدعم النشاط، وفي الحالتين تظل الأسر محاصرة بين غلاء الأسعار وارتفاع كلفة التمويل.
وفي النهاية، لا تكمن أزمة الدولار في رقم 53.50 وحده، بل في نموذج اقتصادي يراهن على الأموال الساخنة والقروض والتصنيفات، ثم يطلب من المصريين تحمل النتائج، فالجنيه لا يحتاج تصريحات طمأنة، بل يحتاج إنتاجًا وصادرات وحماية اجتماعية تكسر دائرة التعويم المستمر.

