تجددت الاشتباكات مساء الأحد 17 مايو 2026 بين عدد من أهالي جزيرة الوراق وقوات الأمن المتمركزة عند معدية النيل ومحور روض الفرج، بعد منع المواطن محمد سعد من إدخال 5 شكاير أسمنت إلى الجزيرة، ثم التحفظ على سيارته واندلاع مشادات وكر وفر محدود.
وتكشف الواقعة أن أزمة الوراق لم تعد نزاعا عقاريا مؤجلا، بل حصارا يوميا يمس حق السكان في ترميم بيوتهم والعمل والحركة، بينما تدفع الحكومة مشروع مدينة حورس الاستثماري على أرض يعيش فيها آلاف المواطنين الذين يطالبون بالبقاء والتعويض العادل والحياة الكريمة.
الأسمنت يتحول إلى شرارة اشتباك
بدأت الواقعة عند معدية الوراق عندما أوقفت قوات الأمن سيارة محمد سعد ومنعته من العبور إلى الجزيرة بسبب حمله 5 شكاير أسمنت، وقال المحامي ماجد مبروك إن مشادة كلامية وقعت قبل تعرض سعد للضرب والتحفظ على السيارة، فتجمع أقاربه وعدد من الأهالي.
وبحسب رواية مبروك، تدخل ما بين 10 و15 من شباب الجزيرة لمنع القبض على سعد، ثم تمكنوا من تخليصه قبل انسحابهم من موقع الاشتباكات، ولم تسفر الواقعة عن حالات قبض أو إصابات معلنة بين الأهالي، لكنها أبقت التوتر مفتوحا حول الكمين والمعدية.
ثم أظهر بث مباشر من حساب سعد على فيسبوك حالة كر وفر قرب الكمين أسفل محور روض الفرج، مع تجمعات لشباب الجزيرة وسماع صراخ ورشق بالحجارة والألعاب النارية من جانب الأهالي، بينما كانت القوات ترد بالحجارة وفق ما ظهر في الفيديو المتداول.
https://x.com/OElfatairy/status/2056298582605463568
كما يمنح رأي ماجد مبروك وظيفة توثيقية مباشرة لهذا المحور، لأنه لا يصف الاشتباك وحده بل يربطه بسياسة منع مواد البناء اليومية، ويقول إن الأهالي يواجهون صعوبة في إدخال مستلزمات البناء والأجهزة المنزلية، وهو ما يراه السكان حصارا فعليا على الجزيرة.
حصار مواد البناء يضغط على بيوت السكان
بعد هذه الواقعة، لا يمكن فصل 5 شكاير أسمنت عن سياسة ممتدة منذ شهور، فالأمن المتمركز على مداخل الجزيرة يمنع عبور مواد البناء إلى الداخل، وفق شهادات متكررة من الأهالي ومحامين، بهدف دفع السكان لقبول التعويضات والتنازل عن البيوت والأراضي.
وفي أبريل 2026، شهدت الجزيرة اشتباكات أخرى قرب معدية القللي بعد احتجاز أهال وتضييق حركة المعديات، وذكرت تقارير أن الاحتقان بدأ بسبب منع مواد البناء وتقييد حركة الدخول والخروج، قبل أن يتبادل الأهالي وقوات الأمن الرشق بالحجارة في محيط المعدية.
لذلك تحولت مواد الترميم إلى أداة ضغط يومية، فالأسرة التي تحتاج إصلاح حائط أو سقف لا تستطيع إدخال الأسمنت والطوب بسهولة، بينما تستمر أعمال مشروع التطوير الرسمي، وهنا يرى السكان أن الدولة تسمح بالبناء لصالح مشروعها وتمنعه عن أصحاب البيوت.
https://x.com/RassdNewsN/status/2056214276671426852
ويخدم رأي المحامي الحقوقي خالد علي هذا المحور، لأنه أكد سابقا أن أهالي الجزيرة يملكون مساحات واسعة ملكية خاصة، وأن النزاع ليس مجرد تعد على أرض دولة كما تردد الحكومة، بما يجعل منع الترميم والبناء مساسا بملكية وحيازة وحق سكن لا مخالفة إدارية بسيطة.
مدينة حورس تكشف حساب الربح والتهجير
في الخلفية القانونية، أصدر مجلس الوزراء القرار رقم 20 لسنة 2018 بإنشاء مجتمع عمراني جديد على أراضي جزيرة الوراق، ثم صدرت قرارات نزع ملكية لتنفيذ مشروع إنشاء 68 برجا بمدينة الوراق الجديدة، لصالح هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.
ومنذ ذلك القرار، انتقل النزاع من إزالة مخالفات إلى مشروع استثماري كامل، فقد أعلنت الهيئة العامة للاستعلامات تغيير اسم جزيرة الوراق إلى مدينة حورس، وقدرت تكلفة المشروع بنحو 17.5 مليار جنيه، بينما قدرت دراسة الجدوى الإيرادات الكلية بنحو 122.54 مليار جنيه.
كذلك أعلنت وزارة الإسكان في يوليو الماضي الحصول على نحو 993 فدانا من أصل 1295 فدانا، بما يتخطى 76% من إجمالي مساحة المنطقة محل التطوير، وهو رقم يكشف تقدما كبيرا في الاستحواذ على الأرض رغم استمرار رفض قطاع من السكان.
ويخدم تحليل إبراهيم عز الدين، الباحث في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، هذا العنوان لأنه وصف خطط التطوير بأنها تجاهل لطبيعة الأرض والمجتمع المحلي، وطرح سؤالا أساسيا حول من تستهدفه عملية التخطيط عندما تتحول جزيرة زراعية مأهولة إلى مركز تجاري عالمي.
مشروع استثماري فوق مجتمع قائم
على المستوى الاجتماعي، تعيش الوراق كجزيرة زراعية وسكنية لها روابط عائلية ومهنية قديمة، ويعمل سكانها في الزراعة والصيد والحرف والخدمات، ولذلك لا يعادل نقلهم إلى وحدات بديلة مجرد انتقال مكاني، بل اقتلاع شبكة رزق وقرابة وحياة تشكلت عبر أجيال.
ومن هذه الزاوية، تبدو رؤية الدكتور عاطف معتمد أستاذ الجغرافيا البشرية بجامعة القاهرة مهمة، لأنه حذر من تغيير ديموغرافي يخلع السكان التاريخيين لصالح وافدين لا علاقة لهم بالمكان، بما يحول مركز المدينة إلى رقعة استثمارية مغلقة ويترك السكان الأصليين بمصير مرتبك.
كما أن كلام محمد سعد في بثه المباشر أعاد البعد الإنساني إلى الواجهة، فقد قال إنه اتجه لتجارة مواد البناء بعد فشله في استكمال عمله السابق كمقاول ثم كسائق، وربط ذلك بإصابته السابقة برش خرطوش في عينه خلال مواجهات مرتبطة بأعمال القياس ونزع الملكية.
وبذلك لم يعد التضييق على الأسمنت إجراء أمنيا محايدا، لأنه يضرب مصدر رزق رجل يقول إنه فقد قدرته على العمل بسبب إصابة سابقة، ثم يضرب حق الأسر في ترميم منازلها، ويحول الحياة اليومية في الجزيرة إلى اختبار دائم عند المعدية والكمين.
https://x.com/Veteran_Politc/status/2056179288701862150
الحكومة تدفع الوراق إلى الغضب المتكرر
تاريخ الأزمة يوضح أن اشتباكات الأحد ليست انفجارا مفاجئا، فمنذ 2017 واجهت الجزيرة اقتحامات وإزالات واشتباكات واحتجازا لأهال، وتقول منظمات حقوقية إن تلك السياسات ترتبط بإخلاء السكان لصالح مشروع استثماري، بينما يحظر الدستور المصري التهجير القسري في مادته 63.
وفي سبتمبر 2024، خرج أهالي الوراق في وقفات طالبت بفك الحصار ووقف التضييق على دخول المون ومواد البناء، وقال أحد السكان إن الدولة تدخل مواد البناء لمشروعاتها وتمنعها عن الأهالي، وهو سؤال لا تزال الحكومة عاجزة عن الإجابة عنه بإجراءات عادلة.
ثم جاءت أحداث أبريل ومايو 2026 لتؤكد أن سياسة الضغط لا تخمد الأزمة بل تعيد إشعالها، لأن منع مواد البناء لا يقنع السكان بقبول التعويضات، بل يجعلهم يشعرون بأن الحكومة تستخدم الاحتياج اليومي كسلاح لإجبارهم على الرحيل من أرضهم.
https://x.com/dessprado559/status/2056195083943153858
وفي النهاية، تكشف 5 شكاير أسمنت حجم الخلل في إدارة ملف الوراق، فالحكومة التي تتحدث عن تطوير واستثمار وإيرادات ضخمة لا تستطيع أن تقنع الأهالي بعدالة مشروعها، فتستبدل الحوار بالحصار، وتدفع جزيرة كاملة إلى غضب متكرر دفاعا عن البيت والرزق والكرامة.

