أقر الكنيست الإسرائيلي، مساء الثلاثاء، قانونًا جديدًا ينص على إنشاء محكمة عسكرية خاصة لمحاكمة أسرى فلسطينيين متهمين بالمشاركة في عملية “طوفان الأقصى”، في خطوة أثارت تحذيرات فلسطينية وحقوقية واسعة من فتح الباب أمام تنفيذ أحكام إعدام جماعية بحق معتقلين من قطاع غزة، وسط اتهامات لإسرائيل باستخدام الغطاء القانوني لتوسيع الانتهاكات داخل السجون.

 

ويأتي القانون في ظل تصاعد غير مسبوق في أوضاع الأسرى الفلسطينيين منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، حيث تتهم مؤسسات حقوقية إسرائيل بممارسة التعذيب والتجويع والإهمال الطبي بحق المعتقلين، بينما يرى مسؤولون فلسطينيون أن التشريع الجديد ينقل سياسة الانتقام من الميدان العسكري إلى منظومة قضائية استثنائية تمنح سلطات واسعة لإصدار أحكام قاسية تصل إلى الإعدام.

 

الكنيست يقر المحكمة العسكرية الخاصة بأغلبية واسعة

 

صادق الكنيست الإسرائيلي على القانون الجديد بأغلبية 93 عضوًا من أصل 120، في مؤشر على وجود توافق سياسي واسع داخل إسرائيل بشأن التعامل مع الأسرى الفلسطينيين المعتقلين على خلفية عملية السابع من أكتوبر 2023 وما تبعها من تطورات عسكرية وأمنية.

 

وينص القانون على إنشاء هيئة قضائية عسكرية خاصة تضم ثلاثة قضاة، تتولى النظر في ملفات أسرى فلسطينيين من غزة متهمين بالمشاركة في عمليات مرتبطة بـ“طوفان الأقصى”، مع منح المحكمة صلاحيات استثنائية تشمل إصدار أحكام بالإعدام.

 

وقال رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين رائد أبو الحمص إن القانون يمثل غطاءً سياسيًا وقانونيًا لجرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل منذ ما يقارب عامين ونصف، معتبرًا أن التوافق داخل الكنيست يكشف توجهًا إسرائيليًا نحو تصعيد العقوبات بحق الأسرى.

 

وأضاف أبو الحمص أن القانون يمنح القضاة صلاحيات واسعة لممارسة “أكبر صور الانتقام”، موضحًا أن المحكمة لن تقتصر على متهمين محددين، بل قد تشمل فئات أوسع من المعتقلين الفلسطينيين الذين تُوجَّه إليهم تهم جاهزة مرتبطة بالاحتجاز أو المعاملة خلال الحرب.

 

تحذيرات فلسطينية من أحكام إعدام جماعية بحق أسرى غزة

 

حذر مسؤولون فلسطينيون من أن القانون الجديد يهدد نحو 1200 أسير فلسطيني من غزة بالإعدام، وهو العدد الذي تعترف السلطات الإسرائيلية باعتقاله رسميًا منذ بدء الحرب، بينما لا تزال أوضاع مئات آخرين مجهولة وسط غياب المعلومات عن أماكن احتجازهم.

 

وقال وزير شؤون الأسرى والمحررين السابق أشرف العجرمي إن التشريع الجديد يسمح بمحاكمة أي فلسطيني أمام محاكم عسكرية استثنائية، سواء كان مناضلًا أو مجرد مشتبه به، مع إمكانية إصدار أحكام بالإعدام استنادًا إلى بنود في قانون العقوبات الإسرائيلي لعام 1977.

 

وأوضح العجرمي أن التهم التي قد تُستخدم تشمل “جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والقتل والاغتصاب”، معتبرًا أن إسرائيل تسعى إلى توسيع نطاق الاتهامات لتبرير إصدار أقصى العقوبات بحق المعتقلين الفلسطينيين.

 

وأشار إلى أن إسرائيل كانت تتجنب تاريخيًا تنفيذ أحكام الإعدام بحق الفلسطينيين بسبب تعقيدات قانونية دولية مرتبطة بكونهم واقعين تحت الاحتلال، إلا أن القانون الجديد يمثل تحولًا خطيرًا في هذا المسار ويشكل خروجًا عن قواعد القانون الدولي والمحاكمات العادلة.

 

ودعا العجرمي إلى تحرك قانوني عاجل أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية لوقف تنفيذ القانون ومحاسبة إسرائيل على الانتهاكات المرتكبة بحق الأسرى الفلسطينيين.

 

مخاوف حقوقية من شرعنة الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية

 

قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس أيمن الرقب إن القانون أعاد ملف أسرى غزة إلى الواجهة بصورة مباشرة، خاصة بعد أن استثنى قانون الإعدام الإسرائيلي الذي أُقر في مارس الماضي الأسرى القادمين من القطاع.

 

وأضاف الرقب أن القانون الجديد قد يمهد لصدور أحكام إعدام ميدانية بحق فلسطينيين من غزة تحت غطاء قضائي، محذرًا من أن إسرائيل تنتقل من سياسة القتل خارج القانون إلى محاولة إضفاء شرعية قانونية على عمليات الإعدام.

 

وأشار إلى أن السلطات الإسرائيلية كانت في السابق تمارس القتل والتصفية دون محاكم، بينما تسعى الآن إلى بناء مسار قضائي يسمح بتنفيذ العقوبات ذاتها بصورة رسمية داخل إطار المحاكم العسكرية الخاصة.

 

وتشير تقديرات نادي الأسير الفلسطيني إلى وجود أكثر من 9500 أسير فلسطيني وعربي داخل السجون والمعسكرات الإسرائيلية حاليًا، بينهم معتقلون من غزة اعتُقلوا خلال العمليات العسكرية المستمرة منذ أكتوبر 2023.

 

وتؤكد تقارير حقوقية فلسطينية ودولية أن السجون الإسرائيلية شهدت خلال الشهور الماضية انتهاكات واسعة شملت التعذيب والتجويع والإهمال الطبي والاعتداءات الجنسية، إضافة إلى احتجاز المعتقلين في ظروف غير إنسانية داخل معسكرات ومراكز توقيف مؤقتة.

 

كما أفادت مؤسسات حقوقية بوفاة أكثر من 100 معتقل فلسطيني داخل السجون الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب على غزة، في ظل تصاعد الاتهامات لإسرائيل باستخدام سياسات العقاب الجماعي بحق الأسرى وعائلاتهم.

 

ويرى مراقبون أن القانون الجديد يمثل أخطر تصعيد قانوني ضد الأسرى الفلسطينيين منذ سنوات، خاصة مع تزايد الدعوات داخل اليمين الإسرائيلي لتوسيع استخدام عقوبة الإعدام ضد الفلسطينيين، بالتزامن مع استمرار الحرب والتوتر الأمني في الأراضي الفلسطينية.