رفعت الحكومة المصرية سعر كهرباء العدادات الكودية بداية من إبريل 2026 إلى 2.74 جنيه لكل كيلووات ساعة، بعد إلغاء نظام الشرائح على العقارات المخالفة، لتتحول الفاتورة الشهرية إلى أداة ضغط مباشرة على أصحاب الوحدات غير المرخصة من أجل تسريع التصالح في مخالفات البناء.

 

وجاء القرار في وقت يعاني فيه المواطنون من ارتفاع تكاليف المعيشة ورسوم التقنين، لذلك لم تقدم الحكومة تيسيرًا حقيقيًا قبل زيادة الفاتورة، بل ربطت حق الدعم بإثبات الشرعية القانونية للعقار، ودفعت ملايين الأسر إلى الاختيار بين دفع كهرباء أغلى أو دخول مسار تصالح بطيء ومكلف.

 

سعر موحد يرفع الفاتورة ويعاقب سكان العقارات المخالفة

 

بحسب التوجه الحكومي الجديد، انتقلت محاسبة أصحاب العدادات الكودية من سعر استرشادي متعدد الشرائح كان يصل إلى 2.14 جنيه لكل كيلووات ساعة منذ أغسطس 2024، إلى سعر موحد يبلغ 2.74 جنيه من أول كيلووات، وبذلك وصلت الزيادة إلى نحو 28% دفعة واحدة.

 

وبعد هذا التغيير، لم يعد مستهلك العداد الكودي يستفيد من تدرج الشرائح الذي يخفف الفاتورة على الاستهلاك المنخفض، لأن كل كيلووات أصبح يحاسب بسعر التكلفة الفعلية، وهو ما يعني أن الأسرة محدودة الاستهلاك تدفع السعر نفسه الذي يدفعه صاحب الاستهلاك الأعلى.

 

وفي تفسير خلفية القرار، قال رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء الأسبق حافظ سلماوي إن العقارات المخالفة كانت تحاسب سابقًا بنظام الممارسة، ثم جرى تركيب عدادات كودية برقم غير مرتبط باسم صاحب العقار، قبل أن يغير قانون التصالح آلية التسعير ويجعلها بلا دعم.

 

ومن الناحية العملية، يؤكد هذا المسار أن الدولة استخدمت الكهرباء كوسيلة ضبط إداري لا كخدمة عامة، إذ سمحت بتوصيل التيار مؤقتًا عبر عداد كودي، ثم رفعت سعره عندما أرادت دفع السكان إلى التصالح، من دون معالجة أسباب تراكم المخالفات أو بطء المحليات.

 

كما قال مصدر مسؤول إن مستخدمي العدادات الكودية لا يستفيدون من دعم الطاقة، لأنهم من شاغلي الوحدات غير المرخصة، ويحاسبون وفق تكلفة الإنتاج الفعلية، بزعم تقليل الأعباء المالية على الدولة وتحقيق كفاءة التحصيل داخل منظومة الكهرباء.

 

لكن هذا التبرير يتجاهل أن كثيرًا من الشاغلين ليسوا هم من ارتكبوا المخالفة الأصلية، لأن شريحة واسعة اشترت أو سكنت وحدات قائمة بالفعل، ولذلك تصبح الفاتورة أداة عقاب جماعي تطال السكان بدل أن تلاحق شبكات البناء العشوائي والفساد المحلي.

 

قانون التصالح يربط الدعم بنموذج 8 ويؤجل الحل للمواطن

 

استند جهاز تنظيم مرفق الكهرباء إلى قانون التصالح رقم 187 لسنة 2023، الذي نص على محاسبة العقارات المخالفة الممدودة بالمرافق بسعر الكلفة من دون أي دعم، وطبقت الشركة القابضة للكهرباء السعر الجديد من إبريل 2026 فقط من دون أثر رجعي.

 

وفي المقابل، أوضح المصدر أن العدادات مسبقة الدفع القانونية لا تخضع للسعر الموحد، وأن العدادات التي تحمل اسم مالك الوحدة تظل على نظام الشرائح وتحصل على الدعم المعلن، بينما يقترب إجمالي العدادات القانونية على الشبكة المصرية من 44 مليون عداد.

 

كذلك تشير بيانات الكهرباء إلى تركيب نحو 2.6 مليون عداد كودي لمبان مخالفة بين أغسطس 2024 وبداية الربع الثاني من 2026، لكن هذا العداد لا يمنح أي وضع قانوني للعقار، ويظل مؤقتًا إلى حين توفيق الأوضاع مع المحليات والجهات المختصة.

 

وعلى مستوى التقنين، قال وكيل لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب الدكتور محمد عطية الفيومي إن الدولة جادة في إنهاء ملف التصالح، وإن تحويل العداد الكودي إلى قانوني يبدأ بعد الحصول على نموذج 8، الذي يمثل موافقة نهائية على تقنين الوضع والحصول على المرافق.

 

وبحسب الفيومي، يتطلب نموذج 8 سداد قيمة التصالح كاملة أو تقسيطها والحصول على الأوراق الرسمية، ثم التوجه بها إلى شركة الكهرباء لتعديل وصف العداد على النظام من كودي إلى عادي، وهو بديل لنموذج 10 في القانون القديم.

 

في المقابل، حذر عضو برلماني آخر من أن رفع أسعار الكهرباء يستهدف دفع أصحاب الوحدات المخالفة إلى التصالح، لكنه طالب بسرعة معاينة الوحدات ومطابقة الجوانب الفنية بالواقع، لأن بطء اللجان يحول السعر الموحد إلى عبء يومي قبل فتح طريق قانوني سريع.

 

ومن زاوية الطاقة، قال الخبير المهندس مدحت يوسف إن شكاوى ارتفاع تكلفة العدادات الكودية ستستمر ما دام سعر الكيلووات مثبتًا عند شريحة واحدة، لأن الرصيد ينفد أسرع من العدادات التقليدية التي تعمل بالشرائح، ولا يعود الدعم إلا بعد التصالح وتحويل العداد قانونيًا.

 

مهلة جديدة وتيسيرات رقمية لا تلغي منطق الجباية

 

بالتزامن مع إعادة التسعير، مددت الحكومة مهلة التقديم للتصالح في مخالفات البناء لمدة 6 أشهر إضافية تبدأ من 5 مايو 2026، في ملف يضم قرابة 2.9 مليون مخالفة بناء، بهدف منح أصحاب العقارات فرصة جديدة لتقنين أوضاعهم وفق القانون.

 

وعقب ذلك، قال مسؤول حكومي إن استمرار دعم الكهرباء لأصحاب العقارات المخالفة أصبح مرهونًا بتقنين أوضاع الوحدات السكنية، ما يعني أن الدولة لا تقدم الدعم بوصفه حقًا اجتماعيًا، بل تربطه بإتمام مسار إداري ومالي قد لا يملك المواطن تسديد تكلفته فورًا.

 

ثم شرح المسؤول مسار التحويل من العداد الكودي إلى القانوني، حيث يبدأ مالك الوحدة بطلب التصالح وسداد الرسوم والحصول على شهادة تقنين، ثم يحصل على نموذج 8 مرفقًا بمطابقة الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وشهادة من الحي أو الوحدة المحلية أو جهاز المدينة.

 

بعد ذلك، يتوجه صاحب الشأن إلى شركة توزيع الكهرباء بإيصال شحن العداد الكودي لاستكمال الإجراءات واستبدال وضعه بعداد قانوني يخضع لنظام الشرائح المدعومة، وبذلك يصبح العقار أمام الدولة مبنى رسميًا بدل مبنى مخالف مزود بالكهرباء مؤقتًا.

 

وفي هذا الإطار، رأى حافظ سلماوي أن الفترة الحالية تحتاج إلى تيسيرات فعلية ومدد قصيرة، تسمح بنقل العقارات من الوضع غير المرخص إلى الإطار القانوني، لأن استمرار الفروق الكبيرة في الفواتير يضغط على العملاء ويجعل التحول إلى الشرائح ضرورة معيشية.

 

وبحسب مصدر في وزارة الكهرباء، تبدأ حزمة تيسيرات في مايو 2026 تشمل إلغاء المعاينات الميدانية والاكتفاء بالبيانات المسجلة سابقًا داخل منظومة شركات الكهرباء للعقارات التي تعمل بالتسعير الثابت، بما يفترض أن يقلص الوقت المطلوب للتحويل.

 

كما لن تتطلب العملية استبدال جهاز العداد نفسه، بل ستتم عبر تعديل البيانات رقميًا وإصدار كارت شحن شرائح جديد للمشترك، وهو إجراء قد يخفف الزحام والإجراءات الفنية، لكنه لا يعالج جوهر المشكلة إذا بقيت رسوم التصالح ومعاينات الجهات الأخرى بطيئة.

 

إضافة إلى ذلك، ستتاح الموافقات الجماعية لسكان العقارات متعددة الوحدات، مع إمكانية التقديم عبر منصة خدمات الكهرباء الذكية وسداد رسوم تعديل البيانات، بما يعني أن المشترك لن يضطر للذهاب إلى مقار الشركات، لكنه سيظل مطالبًا بإثبات التقنين قبل استعادة الدعم.

 

في النهاية، يكشف ملف العدادات الكودية أن الحكومة تعالج مخالفات البناء بمنطق الفاتورة قبل العدالة الإدارية، فالمواطن يدفع سعرًا غير مدعوم بينما ينتظر لجان التصالح وشهادات المحليات ومطابقة الجهات الفنية، ولذلك تصبح الكهرباء وسيلة جباية منظمة أكثر من كونها طريقًا حقيقيًا لتقنين عادل.