تحول الاعتصام الذي نظمه مرضى الكلى وذووهم داخل مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح إلى شهادة علنية جديدة على طبيعة الحصار الذي يدير به الاحتلال حياة الفلسطينيين في قطاع غزة. ولم يخرج المحتجون للمطالبة بخدمة إضافية أو امتياز علاجي خاص، بل خرجوا للمطالبة بحق أولي يتعلق بالسفر لتلقي علاج لا تستطيع مستشفيات القطاع المنهكة توفيره بصورة كاملة ومنتظمة بعد شهور طويلة من الاستهداف والتجويع ومنع الإمدادات الطبية وتعطيل الإحالات الطبية. وقد أكدت وكالة الأنباء الفلسطينية أن الاعتصام جاء للمطالبة بسفر مرضى الكلى للعلاج خارج غزة، مع الإشارة إلى أن نحو نصف هؤلاء المرضى فقدوا حياتهم خلال العدوان الإسرائيلي. كما أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن عدد مرضى الفشل الكلوي في القطاع يقدر بنحو 1100 مريض، بينما لا يتلقى العلاج فعليا سوى 600 إلى 700 مريض بسبب تدمير البنية الصحية وتوقف معظم مراكز الغسيل. جاء هذا الاعتصام في لحظة صحية شديدة القسوة، لأن أزمة مرضى الكلى لم تعد محصورة في نقص الأدوية أو أعطال الأجهزة فقط، بل صارت مرتبطة أيضا بإغلاق طريق العلاج خارج القطاع وتعطل الإجلاء الطبي وتراجع قدرة المستشفيات على الحفاظ على الحد الأدنى من الرعاية المنتظمة. وقد حذرت منظمة الصحة العالمية في يناير من أن أكثر من 18500 مريض في غزة، بينهم 4000 طفل، ما زالوا في حاجة عاجلة إلى الإجلاء الطبي، بينما أعربت فرنسا في 7 أبريل عن قلقها من تعليق عمليات الإجلاء الطبي التي تنسقها المنظمة بعد حادث أمني أودى بحياة متعاقد معها. وفي هذا السياق، بدا اعتصام دير البلح تعبيرا مباشرا عن واقع يقول إن المريض في غزة لا يواجه المرض وحده، بل يواجه معه قرار المنع والحصار والتأخير. الاعتصام في دير البلح ينقل مأساة المرضى من الغرف إلى العلن وجاءت الوقفة الاحتجاجية داخل مستشفى شهداء الأقصى بعد تصاعد الغضب الشعبي من استمرار منع المرضى من السفر، رغم التدهور الواضح في أوضاعهم الصحية. وأفاد مراسلون ووسائل إعلام فلسطينية بأن الأهالي ومرضى الكلى تجمعوا داخل المستشفى ورفعوا مطالب واضحة بإنهاء القيود المفروضة على خروج المرضى، محذرين من كارثة إنسانية تتسع مع كل يوم يتأخر فيه العلاج أو تتعطل فيه جلسات الغسيل أو تنفد فيه الأدوية الأساسية. ثم اكتسب هذا التحرك معنى أكبر لأن الأرقام نفسها صارت اتهاما مباشرا. فقد نقلت وكالة وفا أن نحو نصف مرضى الكلى في غزة فقدوا حياتهم خلال فترة العدوان الإسرائيلي، بينما أكد الدكتور محمد أبو سلمية مدير مجمع الشفاء الطبي أن ما يقارب 50% من مرضى الغسيل الكلوي الذين كانوا ينتظرون فتح المعبر أو وصول أدويتهم توفوا خلال عامين من الحرب والحصار. وهذه الشهادة الطبية ربطت بين الوفاة وبين الإغلاق ونقص الدواء بصورة صريحة لا تحتمل الالتفاف السياسي. وفي هذا السياق، جاءت الصياغات المتداولة على منصة إكس بوصفها امتدادا مباشرا للمشهد داخل المستشفى، إذ ركزت على أن الاعتصام جاء للمطالبة بسفر المرضى وتلقي العلاج خارج القطاع في ظل تدهور الأوضاع الصحية ومنع الاحتلال لهم من الحركة والوصول إلى الرعاية المناسبة. https://x.com/ymcgaza/status/2043271959518093548 وجاءت صياغة أخرى متداولة على المنصة نفسها لتشدد على أن الاعتصام الاحتجاجي في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح لم يخرج عن مطلب واحد محدد، وهو السماح بسفر مرضى الكلى للعلاج، وهو ما يعكس أن الأزمة لم تعد تحتمل لغة التهدئة أو الوعود المؤجلة. https://x.com/nowgnna/status/2043235789174112548 نقص الدواء وتعطل الأجهزة يجعل جلسات الغسيل معركة يومية وبعد أن نقل الاعتصام الأزمة إلى المجال العام، ظهرت صورة أكثر قسوة داخل المرافق الطبية نفسها. فقد أعلن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في 7 أبريل أن معاناة أصحاب الأمراض المزمنة تفاقمت بسبب تعطل خدمات التشخيص والعلاج ونفاد 70% من الأدوية الأساسية، كما أوضح أن تدمير البنية الصحية وإغلاق معظم مراكز الغسيل دفع مئات المرضى خارج دائرة العلاج المنتظم، وهو ما يضع مرضى الكلى في مقدمة الفئات المهددة يوميا. ثم دعمت منظمة أطباء بلا حدود هذا المسار التحذيري عندما أعلنت في 3 أبريل أن القيود الإسرائيلية على دخول الإمدادات تسببت في نقص حرج في الأدوية والمستلزمات الطبية داخل غزة، وأكدت أن ما يقرب من 50% من أدويتها الأساسية للأمراض المزمنة أصبحت في مخزون منخفض للغاية. كما قالت الدكتورة حنان بلخي المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط في مارس إن مخزونات الأدوية في غزة بالغة الانخفاض، وإن بعض المواد الأساسية مثل الشاش والإبر قد نفدت بالفعل.
وفي ضوء هذا التدهور، صار مريض الغسيل الكلوي داخل غزة يواجه ثلاث أزمات مترابطة في الوقت نفسه، لأن المستشفى لا يملك دائما الدواء الكافي، ولأن الأجهزة لا تعمل بكفاءة مستقرة، ولأن الخروج للعلاج الخارجي يخضع لمنع سياسي وعسكري. وقد وثقت دراسات طبية منشورة أن الوصول إلى الغسيل وزراعة الكلى والرعاية المستمرة في غزة أصبح دون المستوى المنقذ للحياة، وهو ما يخفض فرص البقاء بصورة مباشرة. وبالتوازي مع ذلك، حافظت منشورات أخرى على المنصات الاجتماعية على المعنى نفسه، إذ أبرزت أن أهالي المرضى لم يحتجوا فقط على النقص داخل المستشفى، بل احتجوا أيضا على منع السفر وتلقي العلاج خارج غزة، وهو ما جعل الوقفة تجمع بين مطلب الرعاية ومطلب الحركة في لحظة واحدة. https://x.com/Talal81ibrahim/status/2043174415802720660 إغلاق المعبر وتعطل الإجلاء الطبي يحول الحصار إلى حكم مباشر وبعد أن ثبت عجز المستشفيات عن تغطية الاحتياج الكامل، صار فتح الطريق إلى الخارج مسألة حياة لا مسألة تنسيق إداري. وقد أكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس في يناير أن أكثر من 18500 مريض في غزة ما زالوا بحاجة ملحة إلى الإجلاء الطبي، ودعا مزيدا من الدول إلى استقبال المرضى واستئناف الإجلاء إلى الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية. ويعني هذا الرقم أن مشكلة السفر ليست ملفا جانبيا، بل جزء أساسي من انهيار الرعاية الصحية في القطاع. ثم زاد المشهد خطورة مع تعطل عمليات الإجلاء نفسها في أبريل بعد حادث أمني استهدف متعاقدا مع منظمة الصحة العالمية. وقد قالت فرنسا في بيان رسمي إن تعليق هذه العمليات يثير قلقا عميقا، مؤكدة أهمية استمرار عمل بعثة الاتحاد الأوروبي عند معبر رفح لتسهيل حرية الحركة. وعندما يتوقف هذا المسار، يصبح المريض المحاصر بين مستشفى عاجز وحدود مغلقة أمام مأزق لا يملكه وحده ولا يستطيع الخروج منه بمفرده. وفي النتيجة، جاء اعتصام مرضى غسيل الكلى في مستشفى شهداء الأقصى للمطالبة بفتح معبر رفح والسماح بالسفر بوصفه احتجاجا على سياسة كاملة لا على إجراء منفرد. وقد صاغت إحدى المنشورات هذا المعنى بوضوح عندما ربطت بين نقص الدواء وتشديد الحصار ومنع خروج المرضى لتلقي العلاج، وهو الربط نفسه الذي تؤكده التقارير الطبية والإنسانية منذ شهور. https://x.com/NoonPost/status/2043014967159644482 وهكذا لم يعد ممكنا التعامل مع وقفة دير البلح على أنها خبر عابر من أخبار المنصات، لأن ما جرى داخل مستشفى شهداء الأقصى كشف مرة أخرى أن الاحتلال لا يكتفي بقصف القطاع وتجويع سكانه، بل يواصل أيضا التحكم في حق المريض في الوصول إلى العلاج وفي حق الأسرة في إنقاذ أبنائها. وعندما يضطر مرضى الكلى إلى الاعتصام من أجل السفر، فإن الجريمة تكون قد انتقلت من حدود الحصار إلى قلب الحق في الحياة نفسه.

