تقدمت طهران بمقترح جديد لوقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في لحظة تضغط فيها مهلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مسار التفاوض أكثر مما تدفعه إلى التسوية. وجاء التحرك الإيراني عبر باكستان، بحسب ما نقلته وسائل إعلام إيرانية وما أكدته تقارير أمريكية، بينما أبقت واشنطن على لهجة التهديد العسكري وأعلنت أن المقترح الإيراني يمثل خطوة مهمة لكنه لا يلبّي الشروط الأمريكية كاملة.

 

يظهر هذا الرد الإيراني أن طهران لا تتعامل مع المهلة الأمريكية باعتبارها إطارا ملزما بقدر ما تتعامل معها باعتبارها أداة ضغط يجب الرد عليها بشروط مقابلة. ولهذا ربطت إنهاء التصعيد بضمانات بعدم تكرار الهجوم، ووقف الضربات الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان، ورفع العقوبات، وإعادة تنظيم المرور في مضيق هرمز على أساس جديد يحقق لها عائدا سياسيا وماليا مباشرا.

 

المقترح الإيراني يربط وقف التصعيد بضمانات سياسية ومالية مباشرة

 

يتضمن المقترح الإيراني، وفق ما نقلته تقارير صحفية متقاطعة، مطالب تتجاوز وقف النار المؤقت إلى تثبيت وضع سياسي جديد بعد الحرب. وتشمل هذه المطالب ضمان عدم تعرض إيران لهجوم جديد، ورفع جميع العقوبات، ووقف الضربات الإسرائيلية على حزب الله، مقابل إنهاء حصار مضيق هرمز ووضع بروتوكول لعبور آمن في الممر البحري.

 

كما يضيف المقترح بندا ماليا لافتا يتعلق بفرض رسوم تقارب 2 مليون دولار على كل سفينة تعبر المضيق، على أن تتقاسم إيران هذه العائدات مع سلطنة عمان. ويقول الطرح الإيراني إن طهران ستستخدم حصتها في إعادة إعمار البنية التحتية التي دمرتها الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، بدلا من طلب تعويضات مباشرة من واشنطن أو تل أبيب.

 

ولا يطرح هذا التصور الإيراني وقف إطلاق نار محدودا أو مؤقتا، لأن طهران رفضت بالفعل مقترحا أمريكيا سابقا لوقف القتال 45 يوما، وطالبت بإنهاء دائم للحرب. وفي هذا السياق قال علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إن الضربات الأخيرة تفتح باب تصعيد أوسع في الخليج وتقلل فرص تسوية مستقرة إذا ظلت واشنطن تتحرك بمنطق الإكراه العسكري.

 

ترامب يقر بأهمية العرض ثم يرفضه ويعيد التهديد بالقصف

 

رد ترامب على المقترح الإيراني عكس تمسكا أمريكيا بسقف أعلى من الشروط المعروضة. فقد قال إن الخطة الإيرانية خطوة مهمة وكبيرة، لكنها ليست كافية، ثم عاد وربط القرار النهائي بمهلة تنتهي عند الساعة 8 مساء الثلاثاء بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ملوحا بضربات جوية مدمرة جديدة تستهدف تعطيل القدرات الإيرانية.

 

ويكتسب هذا الموقف دلالة إضافية لأن ترامب كان قد مدد مهل سابقة قبل الوصول إلى هذه اللحظة، بعدما انتقل من مهلة 23 مارس إلى مهل لاحقة انتهت إلى تحديد مساء 7 أبريل موعدا فاصلا. كما هدد خلال الأيام الماضية باستهداف محطات الكهرباء وآبار النفط ومنشآت تحلية المياه إذا لم تستجب إيران للشروط الأمريكية المتعلقة بالمضيق ومسار الحرب.

 

وبينما تصر واشنطن على أن التهديد يهدف إلى فرض تنازل سريع، يرى تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي، أن إدارة ترامب اختارت الحرب بدل استثمار عرض تفاوضي كان يتيح لها مخرجا سياسيا أقل كلفة. ويعكس هذا التقدير اتجاها بحثيا أمريكيا ينتقد استخدام التصعيد العسكري لتحقيق ما يفترض أن ينجزه التفاوض المباشر.

 

رواية التفوق الإيراني تفسر تشدد طهران لكنها لا تضمن قبول واشنطن

 

تتعامل وسائل إعلام إيرانية مع المقترح الأخير انطلاقا من رواية تقول إن طهران خرجت من جولات القتال الأخيرة بموقع تفاوضي أفضل. وتستند هذه الرواية إلى تعطيل معظم حركة الشحن في مضيق هرمز، وإلى إسقاط طائرة مقاتلة أمريكية من طراز إف-15 إي مع نجاة الطيارين، بما عزز داخل طهران اعتقادا بأن الضغط المضاد فرض حضوره على القرار الأمريكي.

 

وبسبب هذه القراءة، لم تقدم طهران عرضا يركز على التهدئة الإنسانية أو على وقف نار سريع بقدر ما قدمت عرضا يعيد ترتيب شروط ما بعد الحرب. ولذلك وضعت رفع العقوبات، وإعادة الإعمار، وإنهاء الأعمال العدائية في المنطقة، ضمن حزمة واحدة، حتى لا يتحول أي توقف ميداني إلى فرصة أمريكية إسرائيلية لإعادة التموضع ثم استئناف الهجوم لاحقا.

 

لكن هذا التشدد الإيراني لا يعني أن واشنطن ستقبل بالشروط كما هي، لأن الإدارة الأمريكية ما زالت تعتبر فتح مضيق هرمز أولوية عاجلة منفصلة عن الملفات الأخرى. ومن هنا يظهر التعارض الأساسي بين الجانبين، إذ تريد إيران تسوية شاملة تضمن مكاسب سياسية واقتصادية، بينما تريد واشنطن تنازلا سريعا يسبق أي تفاوض أوسع على بقية الملفات.

 

وفي هذا الإطار قال فالي نصر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، إن الولايات المتحدة فقدت السيطرة على مسار الحرب مع اتساع آثارها الإقليمية. ويفسر هذا التقدير سبب تمسك طهران بشروط مرتفعة، كما يفسر في الوقت نفسه سبب تردد واشنطن في تقديم ضمانات بعيدة المدى وهي ما زالت تتحدث بلغة القصف والمهل النهائية.

 

لذلك لا تشير المعطيات المتاحة حتى الآن إلى قبول أمريكي كامل للشروط الإيرانية، بل تشير إلى اعتراف واشنطن بأن المقترح يحمل أهمية تفاوضية من دون أن يحقق المطلوب أمريكيا. وهذا يعني أن الرد الإيراني على مهلة ترامب نجح في نقل التفاوض من سؤال فتح المضيق فقط إلى سؤال شكل التسوية كلها، لكنه لم ينتزع بعد موافقة أمريكية على إنهاء الحرب بالشروط الإيرانية.

 

وفي الخلاصة، تبدو طهران وقد صاغت ردا يرفض الخضوع لمهلة ترامب ويحوّل التهديد العسكري إلى ورقة تفاوض مقابلة، بينما تبدو واشنطن متمسكة بسياسة الضغط القصوى ولو تحت غطاء الحديث عن فرصة دبلوماسية. وعلى هذا الأساس، فإن السؤال المطروح الآن ليس ما إذا كانت أمريكا تعتبر العرض مهما، بل ما إذا كانت مستعدة لدفع ثمن سياسي حقيقي لإنهاء الحرب بدل إدارة التصعيد حتى اللحظة الأخيرة.