تشهد الذكرى الخمسون ليوم الأرض حضورًا دوليًا متزايدًا عبر فعاليات تضامنية في عدد من المدن العالمية، في وقت يتراجع فيه الحراك داخل الداخل الفلسطيني المحتل، خاصة في مدينة سخنين التي ارتبط اسمها تاريخيًا بالمسيرة المركزية، حيث فرضت "أوضاع أمنية غير اعتيادية" واقعًا جديدًا يعكس تضييقًا واضحًا على التعبير الجماهيري في مناسبة ذات دلالة وطنية.
حضور دولي متصاعد يعكس استمرار مركزية القضية الفلسطينية
في هذا السياق، شهدت العاصمة الكورية سيول تنظيم مسيرة تضامنية من قبل مجموعة "أشخاص في تضامن مع الفلسطينيين"، حيث شارك العشرات من الكوريين والجاليات العربية في فعالية انطلقت من إحدى الحدائق باتجاه السفارتين الإسرائيلية والأمريكية، وهو ما يعكس اتساع دائرة التضامن خارج الإطار العربي التقليدي.
كما رفع المشاركون الأعلام الفلسطينية ولافتات تندد بالاستيطان المستمر منذ عام 1976، حيث تضمنت الفعالية عروضًا رمزية تجسد معاناة الأطفال والأسر الفلسطينية، وهو ما يعكس محاولة نقل الصورة الإنسانية للصراع إلى جمهور دولي أوسع.
وبناءً على ذلك، طالب المشاركون الحكومة الكورية باتخاذ مواقف حازمة لوقف العدوان، حيث أكدوا على ترابط نضال الشعوب من أجل الحرية واستعادة الأرض، وهو طرح يعكس تزايد حضور القضية الفلسطينية في سياقات نضالية عالمية أوسع.
وفي السياق ذاته، أوضح الباحث في العلاقات الدولية الدكتور مهند مصطفى أن اتساع رقعة الفعاليات الدولية يعكس تحولًا في طبيعة التضامن، حيث لم يعد مقتصرًا على الحكومات، بل بات يعتمد بشكل متزايد على حراك شعبي عابر للحدود يدفع باتجاه إبقاء القضية حاضرة عالميًا.
تحركات متزامنة في نيويورك والمغرب وامتداد رقمي عالمي
في المقابل، شهدت مدينة نيويورك تنظيم فعالية تضامنية في حديقة "بريانت بارك"، حيث شارك متضامنون في أنشطة تهدف إلى التذكير بضرورة إنهاء الاحتلال والظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، وهو ما يعكس استمرار حضور القضية في الفضاء العام داخل الولايات المتحدة.
كما دعت "الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع" إلى إحياء الذكرى الخمسين عبر وقفات احتجاجية في عدة مناطق، إلى جانب تنظيم وقفة مركزية أمام البرلمان في الرباط، وهو ما يشير إلى استمرار الحراك الشعبي في الدول العربية رغم التباينات السياسية.
وفي الوقت ذاته، برزت الفعاليات الرقمية كمسار ثالث لإحياء الذكرى، حيث أعلنت مجموعة "حملة التضامن مع فلسطين" عن ندوة رقمية، كما دعت مجموعة "المسيرة العالمية للنساء" إلى ندوة دولية عبر الإنترنت، وهو ما يعكس انتقال جزء من الحراك إلى الفضاء الرقمي كبديل يتجاوز القيود الجغرافية.
ومن جانبه، أشار الخبير في الإعلام الرقمي الدكتور ياسر عبد العزيز إلى أن التحول نحو الفعاليات الرقمية يمثل استجابة لقيود الواقع السياسي والميداني، حيث يوفر هذا المسار مساحة بديلة للحشد والتأثير، خاصة في القضايا التي تواجه تضييقًا على الأرض.
تراجع الحراك في الداخل الفلسطيني تحت قيود أمنية واضحة
في هذا الإطار، جاء إحياء الذكرى داخل الداخل الفلسطيني المحتل بصورة أقل حراكًا مقارنة بالسنوات الماضية، حيث أقرت بلدية سخنين برنامجًا محدودًا دون تنظيم مسيرات حاشدة، وهو ما يعكس تغيرًا واضحًا في طبيعة الفعاليات المرتبطة بهذه المناسبة.
كما بررت البلدية هذا التوجه بوجود "أوضاع أمنية غير اعتيادية" و"قيود ميدانية"، وهو ما يشير إلى بيئة تضييق تعقّد تنظيم الفعاليات الجماهيرية، خاصة تلك التي تحمل طابعًا سياسيًا واضحًا مثل المسيرة المركزية ليوم الأرض.
وفي السياق نفسه، تظهر المقارنة مع السنوات السابقة تراجعًا ملحوظًا، حيث شهدت سخنين في عام 2023 دعوات صريحة للمشاركة في المسيرة المركزية، كما صدرت في عام 2025 دعوات مماثلة لحشد واسع، وهو ما يبرز الفارق مع الوضع الحالي.
كما لا تعكس المواد المنشورة هذا العام وجود مسيرة مركزية واسعة، حيث يقتصر الإحياء على برنامج محدود يتم تنظيمه تحت ضغط الظروف الأمنية، وهو ما يعكس تحولًا من الحشد الجماهيري إلى فعاليات رمزية أقل تأثيرًا على مستوى الشارع.
ومن جهته، أكد الباحث في الشأن الفلسطيني الدكتور جميل هلال أن تراجع الحراك في الداخل لا يعكس تراجعًا في الوعي بالقضية، بل يعكس حجم القيود المفروضة، حيث تؤثر الظروف الأمنية بشكل مباشر على قدرة المجتمع على التعبير الجماهيري.
جذور يوم الأرض واستمرار رمزيته رغم القيود
في هذا السياق، تعود جذور يوم الأرض إلى احتجاجات 30 مارس 1976، حيث خرج الفلسطينيون رفضًا لمصادرة أراضيهم، وهو ما أدى إلى مقتل ستة فلسطينيين وإصابة أكثر من 100، لتتحول هذه الذكرى إلى محطة سنوية للتأكيد على التمسك بالأرض والحقوق.
كما تمثل الذكرى الخمسون لهذا العام لحظة رمزية مهمة، حيث تعكس استمرار القضية رغم مرور عقود على تلك الأحداث، وهو ما يظهر في اتساع رقعة التضامن الدولي مقابل تراجع الحضور الميداني في الداخل.
وفي ضوء ذلك، يبرز التناقض بين الزخم العالمي والتراجع المحلي، حيث تتوسع أشكال الدعم خارج فلسطين، بينما يواجه الداخل قيودًا تحد من قدرته على التعبير، وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول طبيعة المرحلة الحالية.
في النهاية، يكشف إحياء الذكرى الخمسين ليوم الأرض عن مشهد مزدوج، حيث يتسع التضامن العالمي بأشكال متعددة، بينما يتراجع الحراك في الداخل الفلسطيني تحت وطأة القيود الأمنية، وهو ما يعكس استمرار الصراع بين حضور القضية عالميًا ومحاولات الحد من تجلياتها على الأرض.

