أثارت تصريحات دونالد ترامب الأخيرة الجدل فهي لم تقدم مسارًا سياسيًا منفصلًا عن الحرب، بل قدمت مسارًا مزدوجًا يجمع بين الحديث عن تقدم في الاتصالات مع طهران، وبين إبقاء الضربات العسكرية قائمة، وبين طرح الاستيلاء على جزيرة خرج، أهم منفذ نفطي إيراني، وبين التلويح بالتعامل العسكري مع ملف اليورانيوم المخصب. هذا التداخل لم يظهر في سياق هادئ، لأن الإقليم كان يشهد توسعًا في العمليات، وارتفاعًا في أسعار النفط، واعتراضًا أوروبيًا على بعض جوانب التحرك الأمريكي.
المشهد الحالي يكتسب خطورته من أن البيت الأبيض لم يقدم وقفًا للحرب بوصفه شرطًا للتفاوض، بل قدم التفاوض باعتباره جزءًا من الضغط العسكري نفسه. ترامب تحدث عن إمكان إبرام اتفاق سريع، لكن الإدارة الأمريكية واصلت إرسال قوات إضافية، وواصلت إسرائيل استهداف مواقع وقيادات إيرانية، فيما ردت طهران بضربات طالت إسرائيل ودولًا خليجية. لذلك فإن الوقائع المتاحة تشير إلى مسار توثيقي واضح: تفاوض تحت النار، وخيارات ميدانية مفتوحة، وسقف سياسي يصل إلى تغيير النظام.
التفاوض الأمريكي جرى بالتوازي مع استمرار الحرب
ثم أعلن ترامب في 30 مارس أن الاتصالات مع إيران تمضي إلى الأمام، لكنه لم يربط هذا الإعلان بوقف الضربات أو بسحب التهديدات الأمريكية. وكالة أسوشيتد برس نقلت عنه في اليوم نفسه أنه يرى إمكان التوصل إلى اتفاق بسرعة، وأنه يدرس في الوقت نفسه الاستيلاء على جزيرة خرج. هذا التلازم الزمني يثبت أن واشنطن لم تفصل بين المسار الدبلوماسي والمسار العسكري في خطابها الرسمي.
وبعد ذلك رفضت إيران الخطة الأمريكية التي جرى تداولها عبر وسطاء، وقدمت مطالب مقابلة شملت وقف الهجمات ودفع تعويضات ورفع العقوبات. هذا الرفض الإيراني أظهر أن الحديث الأمريكي عن تقدم في المفاوضات لم يكن يعني وجود تفاهم فعلي على شروط التسوية. وكالة أسوشيتد برس وثقت هذا الرفض بعد أيام قليلة من ترويج ترامب لفكرة الاتفاق القريب.
وفي هذا السياق قال جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن سياسة قطع رأس القيادة لا تحل المشكلة الأمريكية مع إيران، لأن تصفية القادة لا تنتج تلقائيًا نتيجة سياسية مستقرة. أهمية هذا التقدير أن الوقائع الميدانية دعمت مضمونه، لأن الضربات الواسعة أضعفت القيادة الإيرانية، لكنها لم تنتج تسوية ولم تنتج انهيارًا سياسيًا داخليًا سريعًا.
الطرح الأمريكي انتقل من الضغط العسكري إلى الكلام الصريح عن النفط واليورانيوم
ثم وسع ترامب سقف الخطاب عندما تحدث علنًا عن الاستيلاء على جزيرة خرج، التي تمثل مركزًا حاسمًا لصادرات النفط الإيرانية. هذا الطرح لم يكن مجرد عبارة عابرة، لأن أهميته الاقتصادية والعسكرية تجعل أي حديث عنه إعلانًا مباشرًا بأن واشنطن تنظر إلى منشآت الطاقة الإيرانية بوصفها هدفًا مشروعًا في الحرب الجارية، لا مجرد ورقة ضغط تفاوضية بعيدة.
وبالتوازي مع ذلك أوردت تغطيات متزامنة أن ترامب طرح أيضًا إمكان تنفيذ عملية على الأرض للتعامل مع اليورانيوم المخصب داخل إيران. هذا التطور نقل الخطاب الأمريكي من مستوى القصف الجوي والتهديد البحري إلى مستوى التفكير في عمليات ميدانية محددة الأهداف. كما أن الحديث عن اليورانيوم والنفط معًا كشف أن الإدارة الأمريكية جمعت بين هدف استراتيجي نووي وهدف اقتصادي مباشر.
وعند هذه النقطة قال آرون ديفيد ميلر، الباحث البارز في مؤسسة كارنيغي، إن إيران ما زالت قادرة على إيلام المنطقة، وإن غياب الثقة في سلوك ترامب يجعل إنهاء الحرب عبر التفاوض أكثر صعوبة. قيمة هذا التقدير أنه يربط بين التصعيد العسكري وبين محدودية فرص الاتفاق السريع، لأن الطرف الإيراني يرى أن واشنطن ترفع مطالبها العسكرية والسياسية في الوقت نفسه.
خيار العمل على الأرض وتغيير النظام عاد إلى الواجهة من بوابة الحرب المفتوحة
ثم تحدثت تقارير صحفية غربية عن اتهام إيراني لواشنطن بالتحضير لهجوم بري محدود، في وقت كانت فيه القوات الأمريكية تصل إلى المنطقة على دفعات جديدة. هذا التطور لم يأت منفصلًا عن خطاب ترامب، لأن الرئيس الأمريكي نفسه لم يغلق الباب أمام توسيع العمليات، بينما وثقت أسوشيتد برس إرسال أكثر من 6000 جندي إضافي إلى الشرق الأوسط خلال هذا التصعيد.
وبعد ذلك ظهر بوضوح أن خطاب تغيير النظام لم يعد محصورًا في مراكز الضغط الأمريكية أو في تعليقات جانبية داخل الإعلام، لأن تغطيات 30 مارس نقلت أن ترامب نفسه تحدث عن تغيير النظام في إيران، بينما واصلت إسرائيل حملة اغتيالات واسعة ضد قيادات إيرانية. هذا التزامن يوضح أن المسار العسكري لم يعد يكتفي بردع القدرات، بل صار يلامس بنية السلطة نفسها.
وفي المقابل قال علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إن ترامب بدأ حربًا لا يستطيع إنهاءها بسهولة. هذا التقدير اكتسب وزنه من أن الوقائع خلال مارس أظهرت اتساع رقعة الحرب وارتفاع كلفتها السياسية والاقتصادية، من دون ظهور تسوية ناضجة أو انهيار داخلي حاسم في إيران. لذلك فإن عودة حديث تغيير النظام جاءت قبل تبلور قدرة أمريكية واضحة على فرض نتيجته.
وختاما تكشف الوقائع الموثقة حتى 30 مارس أن إدارة ترامب لم تبن مسارًا تفاوضيًا مستقلًا، بل أدارت الحرب والمفاوضات والتهديد بالسيطرة على النفط والحديث عن اليورانيوم والعمل على الأرض داخل إطار واحد. هذا الإطار يضغط على إيران عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا في وقت واحد، لكنه لا يقدم حتى الآن تسوية مستقرة ولا يقدم نهاية واضحة للحرب. لذلك فإن الصورة الأدق ليست تقدمًا في المفاوضات، بل اتساعًا في الأهداف الأمريكية تحت غطاء تفاوضي متحرك.

