عثمان لحياني

صحافي جزائري، مراسل العربي الجديد في الجزائر

 

يفترض أن يكون السؤال الصحيح، من ينقذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الرجل الذي يريد أن يسحب التاريخ من ذيله، ويسرّع الزمن بمنطق كهنوتي صاخب. لكن السؤال الأكثر صحة، من ينقذ ترامب من ترامب، ذلك أن الرئيس الأميركي بصدد التحول من ظاهرة سياسية إلى أزمة بحد ذاته ولأميركا.

 

كل المؤشرات، تؤكد أن ترامب أُدخل إلى حرب لم يحسب لها بالشكل المطلوب، أو على الأقل لم يتبين على نحو واضح مراميها. حديثه الأخير إلى وزير الحرب بيت هيغسيث أنه هو من أشار عليه بالهجوم على إيران، يعزز ذلك. لقد أعطى انطباعًا سيئًا عن أن قرار الحرب كما لو أنه جلسة مسامرة، وقبل ذلك بقليل استقالة مسؤول مكافحة الإرهاب جو كينت احتجاجًا على سياسات ترامب تجاه إيران. وكتب كينت، على منصة إكس مخاطبًا ترامب: "يمكنك عكس المسار ورسم طريق جديد لأمتنا، أو الانزلاق أكثر نحو الانحدار والفوضى".

 

ليس هناك أوضح من هذا الوضوح ولا أدل، على أن ترامب يفقأ عينه بيده. حتى يونيو 2025، كان ترامب يقول إن "حروب الشرق الأوسط كانت فخًا سرق من أميركا أرواح أبنائها، واستنزف ثروة الأمة"، فما عساه دعا ترامب إلى تغيير موقفه من حروب الشرق الأوسط. أطراف كثر أو طرف بعينه لعب في إعداداته السياسية، وكثر في أميركا تجار حروب وسماسرة الدم، إسرائيل ولوبيات المصالح وشركات السلاح وكارتيلات الطاقة وغيرهم، وأضيف اليهم الكهنوت السياسي الذي يستلف من الدين للتمويل الرمزي للحرب.

 

ترامب مثل ذلك التاجر الذي خلط بين رأس المال والفائدة، فاعتبر أن كلها مكاسب، والحال ليس كذلك. صحيح أن ترامب رجل أعمال يفترض ألا تغيب عنه قواعد في ذلك، لكن في الغالب عندما يكون رجل يملك مجالات أعمال واسعة، يفقد القدرة على الحساب الجيد، وهذا ما يفسر الشراهة السياسية التي أصيب بها. لا يرى ترامب شيئًا في العالم إلا ترامب وأميركا المتخيلة في ذهنه، وفي حال تم البحث له عن شبيه في التاريخ الحديث في هذا المنحى تحديدًا، الشراهة المفتوحة التي تعمي السياسي، يكون هتلر مثالًا حريًا بترامب. لقد قاد حديث هتلر عن ألمانيا المسيطرة ومكاسبه الأولى في الحرب، إلى فخ شطرها إلى نصفين. يمكن للوساطات أيًا كانت أن تنقذ أميركا، لكن ترامب بحاجة إلى من ينقذه من الهتلرية.

 

لم يدرك ترامب أن الشعوب العقائدية والدول التي بنتها الثورات، كما إيران، صعبة المراس تاريخيًا، والدخول معها في حروب تتطلب قراءة وسياقات مختلفة. في الفترة الأخيرة لا يستقر ترامب على رأي أو موقف، لقد تحول إلى بورصة غير مستقرة للتصريحات، زبونها الأول القنوات ووسائل الإعلام. يكثر من التصريحات بحيث ينسف كل تصريح التصريح الذي سبق من حيث المعنى والموقف والمعطى، ولا يكاد يكون له رابط مع التصريح الذي يليه. أبعد هذا ما يكون عن التكتيك السياسي وأقرب إلى المشي في الوحل. لكأن ترامب يفكر الآن في اللحظة الكابوس، ماذا لو تمكن منه خصومه في الولايات المتحدة بالإحالة على لجنة تحقيق حول الحرب على إيران، وهو رجل لا يحب أن يُسأل، ولا يريد أن يسأله أحد.