د. عبد التواب بركات

كاتب مصري – أستاذ مساعد في مركز البحوث الزراعية بالقاهرة

 

كشفت جائحة كورونا عن اعتماد العالم على دولة واحدة، هي الصين، لتوفير المكونات الأساسية للأدوية والمستهلكات الصحية. وستكشف الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران عن أهمية الخليج العربي في إمدادات الأسمدة الزراعية والتي تُشكّل جزءًا حيويًا من الإمدادات الغذائية العالمية. حيث تُعد قطر والسعودية والبحرين وسلطنة عمان وإيران من كبار مُصدّري الأسمدة، لا سيما اليوريا وفوسفات ثنائي الأمونيوم والأمونيا.

 

ووفقًا لمركز دراسات اليوريا، تصدر دول الخليج العربي 45% من صادرات اليوريا العالمية. ويعبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل من النفط الخام يوميًا، ما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي، وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأميركي، ويتجه نحو 80% من هذه التدفقات إلى دول شرق آسيا، مركز إنتاج الأرز والذرة والقمح.

 

وأدى توقف حركة الشحن عبر مضيق هرمز إلى أزمة في الأسمدة الزراعية عالميا. وساهم انخفاض شحنات الغاز الطبيعي، وهو مادة خام أساسية تشارك بنسبة 65% من تكلفة إنتاج الأسمدة الأزوتية، في ارتفاع الأسعار، وتوقف إنتاج الأسمدة وتصديرها من الخليج العربي بشكل حاد. ويواجه المزارعون حول العالم ارتفاعًا حادًا في أسعار الأسمدة والوقود مع تصاعد الحرب، وصعوبة في تدبير احتياجات المحاصيل منها مع اقتراب موسم الزراعة الربيعي في كثير من دول العالم.

 

ورغم أن أسعار الأسمدة لا تزال أدنى بكثير من المستويات القياسية المرتفعة التي سُجلت في بداية الحرب على أوكرانيا في فبراير من العام 2022، إلا أن سوق الأسمدة العالمية كانت تعاني بالفعل من شح في الإمدادات، حيث قامت الصين بتقييد الصادرات هذا العام لضمان توافرها محليًا، في حين خفض المنتجون في أوروبا الإنتاج بسبب فقدان إمدادات الغاز الروسي الرخيص.

 

ويأتي ارتفاع أسعار الأسمدة في وقت يواجه فيه المزارعون حول العالم انخفاضًا في أسعار الحبوب والبذور الزيتية والمحاصيل الحقلية الأخرى. ويعني ارتفاع أسعار الأسمدة انخفاض هوامش الربح للمنتجين، ما يدفع البعض إلى تقليل استخدام الأسمدة في محاصيلهم أو تغيير نوع المحاصيل، وبالتالي انخفاض الإنتاجية التي تعتمد على الأسمدة بنسبة 35%.

 

وتمتلك إيران ثقلًا في تحديد الأسعار في سوق الأسمدة العالمية من خلال بنية تحتية لصناعة الأسمدة، وتساهم بنحو 30% من إجمالي الصادرات الإيرانية غير النفطية، محققة إيرادات سنوية بلغت العام الماضي 15.6 مليار دولار، وتحتل المرتبة الثالثة عالميًا بوصفها أكبر مصدر لليوريا بحجم 4.5 ملايين طن. وتصنف إيران سابعةَ أكبر مصدر للأمونيا في العالم بحجم 800 ألف طن، وهو مكون رئيسي يدخل في صناعة الأسمدة الأزوتية والمتفجرات.

 

تستفيد صناعة الأسمدة الإيرانية من توفر أرخص مصدر للغاز في العالم، حيث يستخدم الميثان لإنتاج الأمونيا التي تتحول بدورها إلى سماد اليوريا بتركيز 46% نيتروجين، وهو الأكثر طلبًا عالميًا. وتمنح تكلفة الإنتاج المنخفضة المصدرين الإيرانيين القدرة على تقديم أسعار تنافسية لأكبر منتجين زراعيين في العالم بعد الصين والولايات المتحدة، وهما الهند والبرازيل، حتى في ظل تحمل تكاليف التأمين واللوجستيات المرتفعة. وبسبب توقف التصدير من الخليج، ارتفع سعر اليوريا في مصر بنسبة 37% إلى 665 دولارًا للطن، من 485 دولارًا قبل الحرب.

 

وارتفعت أسعار الأمونيا في أوروبا بمقدار 135 دولارًا للطن لتصل إلى 725 دولارًا للطن، بسبب انقطاع الإمدادات القادمة من منطقة الخليج التي تمثل ربع الإنتاج العالمي. وتسببت الحرب في قفزة بأسعار الغاز الطبيعي في الاتحاد الأوروبي بنسبة 45% خلال الأسبوع الأول من الحرب، ما يهدد بإغلاق مصانع الأسمدة الأوروبية التي تعاني أصلًا من ارتفاع تكاليف الغاز الخام. وسجلت أسعار اليوريا في شمال أفريقيا زيادة حادة بنسبة 20% خلال يومين فقط من اندلاع الحرب، ما يعكس حساسية مفرطة في سلاسل توريد الأسمدة الزراعية.

 

ويبلغ تعداد سكان البرازيل 213 مليون نسمة، وهي أكبر منتج لفول الصويا في العالم بحجم 173 مليون طن، وأكبر مصدر له حيث توفر 40% من تجارة الصويا العالمية، وهي أيضا ثالث أكبر منتج للذرة في العالم، بحجم 136 مليون طن، وأكبر مصدر له في العالم.

 

وبفضل هذه الوفرة في الأعلاف، تتربع البرازيل على عرش إنتاج اللحوم والدواجن وتصديرها في العالم. حيث تشكل الصويا والذرة 70% من تكلفة إنتاج الدواجن. وتصدر وحدها نصف مليون طن من الدواجن شهريا لكل دول العالم تقريبا. وتصدر حوالي 3 ملايين طن من اللحوم سنويا. وتوفر البرازيل 80% من احتياجات الصين من الصويا، و14% من احتياجات الاتحاد الأوروبي.

 

هذه الإمبراطورية الزراعية تقوم على الأسمدة الزراعية التي تستورد 85% منها، وتعتمد بشكل أساسي على دول الخليج العربي لتأمين احتياجاتها من الأسمدة الأزوتية، وتشتري 20% من تلك الأسمدة من إيران. وأدى اندلاع الحرب إلى قفزة فورية في أسعار اليوريا بالسوق البرازيلي بنسبة 33% في يوم واحد. توقف هذا الشريان سيؤدي بلا أدنى شك إلى مجاعة في العالم وارتفاع في أسعار الدواجن واللحوم إلى مستويات تعجز الأسر في أفريقيا وشرق أسيا عن توفيرها.

 

الهند أكبر دولة من حيث عدد السكان، 1.5 مليار نسمة تقريبا، وهي أكبر منتج للأرز في العالم، 150 مليون طن، وتصدر 25 مليون طن لدول العالم، تمثل 40% من تجارة الأرز الدولية، وثاني أكبر منتج للقمح في العالم، تستورد 2 مليون طن من الأسمدة شهريًا، يأتي 25% منها من منطقة الخليج العربي عبر مضيق هرمز. انقطاع شريان الأسمدة عن الهند لمدة شهر واحد يمكن أن يسبب فشل في إنتاج المحصول ومجاعة في الهند وفي كثير من دول العالم. وأفاد مسؤول صناعي بأن ثلاثة مصانع هندية اضطرت إلى خفض إنتاج اليوريا المحلية نتيجة الانخفاض الحاد في إمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر.

 

كما تُعتبر بنغلادش رابع أكبر منتج للأرز في العالم، المحصول الاستراتيجي الأول، ويبلغ تعداد سكانه 177 مليون نسمة، وتعتمد كليًا على واردات الغاز الطبيعي من الشرق الأوسط، وتواجه نقصًا حادًا في الغاز الطبيعي أدى لإغلاق 5 مصانع أسمدة محلية.

 

وسيهدد انقطاع شحنات الأسمدة والغاز عبر مضيق هرمز إنتاج الأرز، ويؤدي إلى أزمة جوع في البلد المكتظ بالسكان. حتى الولايات المتحدة، إحدى أكبر منتجي الأسمدة في العالم، فهي تستورد كميات كبيرة من الأمونيا واليوريا. وفي أفريقيا جنوب الصحراء، يُعد استخدام الأسمدة منخفضًا بالفعل، وأي ارتفاع إضافي في الأسعار سيؤدي إلى انخفاض الاستخدام بشكل أكبر، ما يقلل إنتاج المحاصيل ويزيد من انعدام الأمن الغذائي. كذلك سماد الكبريت، وهو عنصر غذائي أساسي لنمو النبات، يُعد منتجًا ثانويًا لمعالجة النفط والغاز. وإذا تعطلت شحنات الطاقة عبر مضيق هرمز، سينخفض إنتاج الكبريت بالتوازي مع صادرات الوقود.

 

في بداية الحرب، قفزت أسعار الغذاء حول العالم، وزادت أسعار زيت النخيل بنسبة 10%، وهي أعلى نسبة منذ حرب روسيا على أوكرانيا في فبراير سنة 2022. وارتفعت العقود الآجلة لزيت فول الصويا في الولايات المتحدة والصين، وهو أقرب بديل لزيت النخيل، بنسبة 6%، مسجلة ارتفاعًا لليوم الحادي عشر على التوالي، ومتجهة نحو السعر الأعلى منذ أزمة الغذاء العالمي عام 2008. وبدأت أسعار القمح والذرة وفول الصويا في الارتفاع.

 

وأثار ارتفاع أسعار منتجات النفط في الولايات المتحدة اضطراب أسعار المواد الغذائية في ظل استمرار أسعار الشحن والأسمدة مرتفعة، وسيواجه الرئيس دونالد ترامب سخطا شعبيا قد يدفع ثمنه الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المرتقب نهاية هذا العام.