كشفت الهجمات الإيرانية المتجددة على الإمارات، وفي القلب منها استهداف منشأة داخل مجمع الرويس الصناعي في أبوظبي، أن الحرب التي بدأتها واشنطن وتل أبيب ضد إيران لم تعد تُدار على حدود بعيدة، بل باتت تُدفع كلفتها مباشرة داخل الخليج.
مكتب أبوظبي الإعلامي أعلن اليوم الثلاثاء أن الجهات المختصة تتعامل مع حريق في إحدى منشآت الرويس ناتج عن استهداف بطائرات مسيرة، من دون تسجيل إصابات حتى لحظة البيان، بينما أكدت وزارة الدفاع الإماراتية أنها تتصدى في الوقت نفسه لتهديدات صاروخية ومسيرات قادمة من إيران، وأن الأصوات التي سُمعت في مناطق متفرقة كانت نتيجة اعتراضات جوية.
هذه ليست حادثة منفصلة. هي حلقة جديدة في مسار يثبت أن الإمارات، رغم كل ما تنفقه على الدفاع والتكنولوجيا، لم تعد محصنة من تبعات حرب لم تبدأها لكنها تدفع ثمنها الآن على أرضها.
الأرقام الرسمية نفسها تكشف حجم التصعيد. وزارة الدفاع الإماراتية قالت في بيانات متلاحقة عبر وكالة الأنباء الرسمية إن الهجمات الإيرانية منذ بدء التصعيد شملت مئات الصواريخ الباليستية وآلاف المسيرات، مع اعتراض الغالبية لكن سقوط عدد منها داخل أراضي الدولة أو في البحر، ووقوع قتلى ومصابين. أحدث الحصائل الرسمية المتاحة علنًا تحدثت عن 4 قتلى و117 مصابًا من جنسيات متعددة، وعن استمرار الاستعداد “للتعامل بحزم” مع أي تهديد. وفي اليوم نفسه، أكدت الوزارة اعتراض دفعات جديدة من الصواريخ والمسيرات، ما يعني أن الهجوم على الرويس لم يكن حادثًا شاردًا، بل جزءًا من حملة ضغط متواصلة تستهدف الأمن والبنية التحتية والصورة الاقتصادية للإمارات معًا.
الرويس ليس هدفًا عابرًا بل رسالة إلى اقتصاد الخليج كله
استهداف منشأة داخل مجمع الرويس الصناعي يحمل دلالة أكبر من مجرد حريق محدود. الرويس ليس موقعًا ثانويًا، بل أحد أهم مراكز الطاقة والصناعة في الإمارات. وعندما يُضرب مجمع كهذا بطائرات مسيرة، فالمقصود ليس فقط إحداث ضرر مادي مباشر، بل توجيه رسالة إلى قلب الاقتصاد الإماراتي: لا ممرات آمنة بالكامل، ولا منشآت بعيدة عن بنك الأهداف. هذا ما يفسر دعوة مكتب أبوظبي الإعلامي الناس إلى استقاء المعلومات من المصادر الرسمية فقط وتجنب الشائعات، لأن الخسارة هنا لا تُقاس بالنار وحدها، بل أيضًا بتآكل صورة الاستقرار التي بنت عليها الإمارات سرديتها الاقتصادية لعقود.
كارين يونغ، من مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، قالت إن دول الخليج كلها باتت تحت هجوم مباشر، وإن الضربات أو حتى حطامها أصاب بنية طاقة ومطارات وموانئ ومراكز بيانات ومبانٍ مدنية. أهمية هذا الرأي أنه يضع هجوم الرويس في سياقه الأوسع: ما يجري ليس فقط ردًا إيرانيًا على قواعد أمريكية، بل محاولة لإظهار أن حلفاء واشنطن في الخليج سيدفعون هم أيضًا كلفة الحرب، اقتصاديًا وأمنيًا ونفسيًا. وحين يتحول الاقتصاد الخليجي نفسه إلى ساحة ضغط، تصبح الرسالة موجهة إلى المستثمرين والأسواق بقدر ما هي موجهة إلى الحكومات.
المفارقة أن الإمارات حاولت منذ بدء الحرب الحفاظ على خطاب مزدوج: جاهزية دفاعية، وحرص على ألا تبدو طرفًا مباشرًا في القتال. لكن استمرار الضربات يجعل هذا التوازن أكثر صعوبة. فالهجمات على منشآت مدنية وصناعية، حتى لو جرى اعتراض معظمها، تعني أن “الحياد الحذر” لم يعد كافيًا لحماية الداخل الإماراتي من ارتدادات الحرب. وهذا بالضبط ما يجعل الرويس أكثر من مجرد موقع تعرض لحريق: إنه عنوان لتآكل المسافة بين جبهة الحرب والجبهة الاقتصادية.
أرقام الدفاع الجوي لا تخفي أن بعض الضربات وصل وأن الردع لم يعد مطلقًا
وزارة الدفاع الإماراتية حريصة في بياناتها على إبراز معدلات الاعتراض المرتفعة، سواء في الصواريخ أو الطائرات المسيّرة. وهذا مفهوم سياسيًا وإعلاميًا. لكن الاعتراف الرسمي نفسه بسقوط بعض الصواريخ أو المسيرات داخل أراضي الدولة، ووقوع قتلى وجرحى، يعني أن الرسالة الأخرى قائمة أيضًا: الدفاعات تعمل، لكنها لا تمنع وصول الخطر بالكامل. وفي هذا النوع من الحروب، لا يحتاج الطرف المهاجم إلى اختراق كامل حتى يفرض تأثيره. يكفيه عدد محدود من المقذوفات التي تمر أو الحطام الذي يسقط في المكان الخطأ ليُدخل الدولة كلها في حالة استنزاف أمني واقتصادي ونفسي.
أندرياس كريغ، الباحث في دراسات الأمن بكلية كينغز في لندن، يرى أن إيران تستخدم استراتيجية تقوم على توسيع نطاق الرد بحيث يشعر خصومها وحلفاء خصومها معًا بأن الحرب لا يمكن احتواؤها داخل إيران أو إسرائيل فقط. هذا التقدير يفسر لماذا توجهت النيران أيضًا إلى الخليج، ولماذا باتت الإمارات واحدة من أكثر الساحات تعرضًا للهجمات. فالمطلوب إيرانيًا ليس فقط معاقبة واشنطن وتل أبيب، بل أيضًا زعزعة ثقة العواصم الخليجية في أن المظلة الغربية قادرة على تحييدها من الصراع.
النتيجة أن الإمارات تبدو اليوم في وضع دفاعي كامل، حتى وهي تتحدث عن الجاهزية والردع. الأصوات التي تسمع في مناطق الدولة، والبيانات المتكررة عن الاعتراضات، والمخاوف من توسع الاستهداف إلى بنى تحتية ومرافئ ومطارات، كلها تعني أن الدولة انتقلت من موقع “المركز الآمن للأعمال” إلى موقع بلد يخوض يوميًا اختبار قدرته على الصمود تحت القصف. هذا التحول في الصورة وحده كلفة كبرى، حتى قبل حساب أي خسائر مادية أو بشرية إضافية.
الإمارات تدفع ثمن حرب غيرها وأمريكا لم تحمِ الحلفاء كما وعدت
أكثر ما يثير الغضب في الخليج اليوم ليس فقط حجم الهجمات، بل شعور العواصم الخليجية بأن الولايات المتحدة لم تُحسن تقدير الكلفة التي ستقع عليهم. وكالة أسوشيتد برس نقلت عن مسؤولين خليجيين أن واشنطن تجاهلت تحذيراتهم من رد الفعل الإيراني وتركَتهم مكشوفين نسبيًا أمام موجات الصواريخ والمسيرات، بينما ركزت أولويتها على حماية إسرائيل والقوات الأمريكية. هذا الاتهام بالغ الخطورة، لأنه يضرب جوهر العلاقة الأمنية بين واشنطن وحلفائها في الخليج. إذا كانت الحرب اتُخذ قرارها أمريكيًا وإسرائيليًا، ثم جاءت النيران إلى أبوظبي والمنامة والرياض والكويت، فما الذي اشترته عقود السلاح الطويلة ومظلات الحماية المعلنة؟
روبرت جونسون، مدير مركز أكسفورد للاستراتيجية وتغير طابع الحرب، كتب أن ما بدأ كضربات أمريكية إسرائيلية على إيران تحول سريعًا إلى حرب إقليمية أوسع بعد الرد الإيراني على قواعد ومواقع في الخليج. قد يختلف معه كثيرون في تقييمه السياسي العام للحرب، لكن ملاحظته الأساسية هنا صحيحة: اتساع ساحة الرد الإيراني خلق واقعًا جديدًا، لم تعد فيه دول الخليج مجرد متفرج أو ممر لوجستي، بل صارت جزءًا من ميدان النار نفسه. والإمارات، بما تمثله من ثقل اقتصادي ورمزي، أصبحت في مقدمة هذا الميدان.
الخلاصة أن حريق الرويس ليس خبرًا أمنيًا عابرًا. هو تلخيص مكثف لما آلت إليه الحرب: الإمارات تدفع ثمن قرار أمريكي إسرائيلي، والدفاعات الجوية تنجح في كثير من الاعتراض لكنها لا تمنع الخطر كله، والاقتصاد الخليجي صار مكشوفًا بدرجة غير مسبوقة. وفي ظل هذا المشهد، يبدو خطاب “الجاهزية الكاملة” أقل إقناعًا من سؤال أبسط وأقسى: إلى متى يظل الخليج يدفع كلفة حرب لا يملك قرارها، بينما تكتفي واشنطن بإدارة المعركة من علٍ وتترك الحلفاء تحت الصواريخ؟

