كشفت موجة التخارجات الأخيرة من أدوات الدين والأسهم المصرية هشاشة النموذج الاقتصادي الذي راهن عليه عبد الفتاح السيسي وحكومته طوال السنوات الماضية، والقائم على اجتذاب الأموال القصيرة الأجل بدل بناء قاعدة إنتاجية قادرة على الصمود.
فمع أول تصعيد إقليمي واسع، سجلت السوق الثانوية للدين الحكومي صافي بيع قدره 2.2 مليار دولار خلال الأسبوع الجاري، وفق البيانات الواردة في النص، كما سجل المستثمرون الأجانب والعرب صافي بيع في الأسهم بقيمة 3 مليارات جنيه، ليتراجع مؤشر EGX 30 بنسبة 3.45% خلال أسبوع واحد.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد قلق عابر في الأسواق، بل تكشف أن ما تسميه الحكومة “ثقة المستثمرين” يبقى في الحقيقة ثقة هشة، تفر عند أول اختبار جيوسياسي. وفي المقابل، تحاول السلطة التخفيف من وقع الأزمة بالحديث عن الاحتياطيات والدعم الخارجي، رغم أن البنك المركزي نفسه أعلن وصول صافي الاحتياطي إلى 52.7455 مليار دولار بنهاية فبراير 2026، كما وافق صندوق النقد الدولي في 25 فبراير 2026 على إتاحة نحو 2.3 مليار دولار جديدة لمصر، ما يعني أن الأموال ما زالت تدخل من باب، لكنها تخرج سريعًا من أبواب أخرى.
خروج المستثمرين ليس مفاجأة بل نتيجة متوقعة
ربط كثير من المحللين بين هذه الموجة من التخارجات وبين الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لكن هذا التفسير يظل نصف الصورة فقط. فالتوتر الإقليمي قد يكون الشرارة، لكنه ليس السبب الوحيد. السبب الأعمق أن الاقتصاد المصري جرى دفعه لسنوات نحو الاعتماد على الأموال الساخنة كأداة سهلة لتوفير الدولار، بدل تشجيع استثمارات مستقرة وطويلة الأجل. لذلك، عندما ترتفع المخاطر، تصبح مصر من أول الأسواق التي يخرج منها المستثمرون، لا لأنها وحدها في المنطقة، بل لأنها من أكثرها هشاشة من حيث بنية التمويل.
وقالت مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري، إن الأسواق الناشئة مرتفعة المخاطر مثل مصر تكون عادة من أوائل الأسواق التي يغادرها المستثمرون عند تصاعد التوترات الجيوسياسية، لأن الأموال الأجنبية قصيرة الأجل تتحرك سريعًا نحو الملاذات الآمنة مثل الدولار والسندات الأمريكية. هذا التوصيف لا يدين الحرب وحدها، بل يدين أيضًا السياسات التي وضعت مصر أصلًا داخل خانة “السوق مرتفعة المخاطر” رغم كل ما رددته الحكومة عن الاستقرار والإصلاح. فالمشكلة ليست فقط أن المستثمر خرج، بل أن بنية الاقتصاد صممت أصلًا بحيث يصبح خروجه حدثًا مزلزلًا.
والأوضح من ذلك أن مؤشر EGX 30 كان قد ارتفع بنحو 27% بالدولار منذ بداية العام قبل اندلاع الحرب، وفق البيانات الواردة في النص، وهو ما أغرى كثيرًا من المستثمرين بالدخول السريع بحثًا عن مكاسب رأسمالية وعوائد مرتفعة. لكن السوق الذي يصعد بهذه السرعة على أساس الأموال الساخنة هو نفسه السوق القابل للهبوط السريع عندما يتغير المزاج العالمي. وهنا تظهر المشكلة التي تحاول الحكومة تجاهلها: ليست كل تدفقات الأموال دليل عافية، وبعضها يكون مجرد دين مقنع أو مضاربة مؤقتة.
اقتصاد مكشوف لأن الحكومة اختارت الطريق الأسهل
يرى خبراء اقتصاد أن ما جرى هذا الأسبوع لا يجب قراءته كأثر طارئ لحرب إقليمية فقط، بل كاختبار جديد لفشل السلطة في تقوية بنية الاقتصاد. فقد ظل النظام المالي المصري معتمدًا على جذب الأجانب إلى أذون الخزانة بأسعار فائدة مرتفعة، فيما بقيت الصناعة ضعيفة، والصادرات غير كافية، والدولة أكثر اعتمادًا على التمويل السريع من اعتمادها على النمو الحقيقي.
وقال تيموثي آش، كبير محللي الأسواق الناشئة في BlueBay Asset Management، إن الاقتصاد المصري يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، ولذلك فإن أي اضطراب إقليمي قد يؤدي إلى خروج سريع لهذه الأموال ويضغط على العملة والاحتياطيات. وأضاف أن المستثمرين ينظرون إلى مصر باعتبارها سوقًا مرتفعة المخاطر، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي صدمة جيوسياسية في المنطقة. هذا الرأي مهم لأنه ينسف الرواية الرسمية التي تحاول تصوير ما يحدث على أنه مجرد اضطراب خارجي. فالاقتصاد الصلب لا يهتز بهذه السرعة، أما الاقتصاد الذي بُني على الفائدة المرتفعة والاستدانة وجذب الأموال السريعة، فمن الطبيعي أن يتصدع عند أول عاصفة.
ويكفي النظر إلى سعر الدولار في البنك المركزي، الذي بلغ متوسطه نحو 50.09 جنيهًا للشراء و50.23 جنيهًا للبيع في 5 مارس 2026، لفهم حجم الضغط الذي تعيشه السوق. فالعملة لا تتراجع فقط بسبب الحرب، بل لأن السوق تعرف أن مصر ما زالت تتحرك على حافة حساسة بين الديون القصيرة الأجل والحاجة المستمرة للدولار. وكلما طال أمد الحرب أو زادت المخاطر في المنطقة، ستصبح كلفة حماية الجنيه أعلى، سواء عبر الفائدة أو الاحتياطيات أو الاقتراض الخارجي الجديد.
الاحتياطي وصندوق النقد لا يحلان أصل الأزمة
تحاول الحكومة طمأنة السوق بالاستناد إلى ارتفاع الاحتياطي النقدي، وإلى الشريحة الجديدة من صندوق النقد. لكن هذه الرسائل تبدو محدودة الإقناع حين يكون أصل الأزمة قائمًا. فالاحتياطي البالغ 52.7455 مليار دولار مهم بلا شك، لكنه لا يلغي أن جزءًا معتبرًا من “الاستقرار” الحالي مدفوع أصلًا بالتمويل الخارجي، وبالاقتراض، وبالدعم الخليجي والدولي، لا بقدرة ذاتية مكتفية للاقتصاد. كما أن صندوق النقد وافق على تمويل جديد بنحو 2.3 مليار دولار بعد استكمال المراجعتين الخامسة والسادسة، لكنه شدد أيضًا على استمرار الحاجة إلى الإصلاحات وتقليص دور الدولة في الاقتصاد.
وقال جيمس سوانستون، الخبير الاقتصادي في Capital Economics، إن الاعتماد الكبير على الاستثمارات قصيرة الأجل يجعل الاقتصاد المصري عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، وإن أي تصعيد طويل في المنطقة قد يدفع مزيدًا من المستثمرين إلى الخروج، بما يفرض ضغوطًا إضافية على الجنيه وقد يدفع البنك المركزي إلى تشديد السياسة النقدية أو اتخاذ إجراءات دفاعية أخرى. وهذا يعني ببساطة أن الحكومة قد تجد نفسها مرة أخرى أمام الوصفة القديمة نفسها: فائدة مرتفعة، تباطؤ اقتصادي، ضغط على السوق، ثم حديث متكرر عن الصمود.
في النهاية، لا تكشف موجة التخارج الحالية فقط هشاشة السوق المصرية، بل تفضح أيضًا فشل نموذج اقتصادي روّج له السيسي باعتباره طريق الاستقرار. فالاستقرار الذي ينهار مع أول حرب قريبة ليس استقرارًا حقيقيًا. والاقتصاد الذي يحتاج إلى فائدة مرتفعة وصندوق نقد واحتياطي متضخم ليمنع هروب الأموال، هو اقتصاد لم تُحل أزمته بعد، بل جرى فقط تأجيل انفجارها.

