أظهرت توقعات محللين استطلعتهم رويترز أن التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن المصرية مرشح للارتفاع إلى 12% في فبراير 2026 مقابل 11.9% في يناير، في إشارة إلى أن تباطؤ الأسعار لم يتحول بعد إلى مسار مستقر.

التقديرات تعني أن ضغوط الطلب الموسمي في رمضان، إلى جانب زيادات أسعار التبغ والتعليم وبعض الأغذية، قد تكون أقوى من أثر سنة الأساس الذي ساعد على تهدئة الأرقام خلال الشهور الماضية.

وكانت قراءة يناير قد سجلت 11.9% للتضخم العام و11.2% للتضخم الأساسي وفق بيانات البنك المركزي المصري.

 

هذا الترقب يأتي قبل صدور بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن فبراير، بينما يراقب السوق أيضًا اجتماع لجنة السياسة النقدية المقرر في 2 إبريل 2026، بعد أن خفض البنك المركزي أسعار الفائدة 100 نقطة أساس في 13 فبراير 2026، لتصل إلى 19% للإيداع و20% للإقراض.

وبين قراءة التضخم المقبلة وقرار الفائدة القادم، يبقى السؤال مطروحًا: هل بدأت موجة الغلاء تنحسر فعلًا، أم أن المصريين أمام استقرار هش يمكن أن ينكسر بسرعة مع أي ضغوط جديدة على الغذاء أو الخدمات؟

 

رمضان يعيد الضغط على الأسعار

 

بحسب استطلاع رويترز الذي شمل 11 محللًا بين 2 و5 مارس، فإن متوسط التوقعات يشير إلى صعود طفيف في التضخم خلال فبراير.

وهذه الزيادة المحدودة في الرقم السنوي لا تبدو كبيرة على الورق، لكنها تحمل دلالة مهمة، لأن السوق كان يراهن على استمرار التراجع مستفيدًا من المقارنة مع مستويات مرتفعة في العام السابق.

غير أن رمضان دخل مبكرًا هذا العام، ما دفع الطلب على السلع الغذائية إلى الصعود في وقت لا تزال فيه الأسعار عند مستويات مرتفعة أصلًا، وهو ما يرجح أن يلتهم جزءًا من المكاسب التي جاء بها أثر سنة الأساس.

كما أن التضخم في مصر سبق أن بلغ مستوى قياسيًا عند 38% في سبتمبر 2023 قبل أن يتراجع تدريجيًا خلال 2025 وبداية 2026.

 

وفي هذا السياق، قال سري فيرينشي كاديالا من بنك أبوظبي التجاري إن مؤشر أسعار المستهلكين مرشح لأن يظل مستقرًا بشكل عام في فبراير، لأن ضغوط أسعار الغذاء المرتبطة بشهر رمضان ستعوض التأثيرات الإيجابية لسنة الأساس.

هذا التقدير يعكس أن التباطؤ الحالي ليس ناتجًا عن هبوط واسع في الأسعار، بقدر ما هو نتيجة مقارنة إحصائية مع فترة كانت فيها الأسعار أعلى بكثير.

لذلك فإن أي زيادة موسمية في الغذاء أو الخدمات يمكن أن توقف مسار الهبوط بسهولة، ولو مؤقتًا.

 

السجائر والتعليم والغذاء.. محركات الزيادة الجديدة

 

العوامل الضاغطة لا تقف عند الطلب الموسمي فقط.

فوفق التقديرات الواردة في الاستطلاع نفسه، فإن زيادات أسعار السجائر خلال فبراير، إلى جانب التكلفة السنوية للتعليم وارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية الأخرى، ستدفع القراءة إلى الأعلى.

وقالت سارة سعادة من سي آي كابيتال إن هذه العناصر ستكون بين أبرز الأسباب المرجحة لارتفاع المؤشر، وهو ما يعني أن الضغوط التضخمية أصبحت موزعة على أكثر من بند، وليس فقط على الغذاء الطازج أو الطاقة.

هذه النقطة مهمة، لأن اتساع قاعدة الزيادة يجعل احتواء التضخم أصعب من الحالات التي يكون فيها محصورًا في مجموعة محدودة من السلع.

 

كما توقع 3 محللين شملهم الاستطلاع أن يرتفع التضخم الأساسي إلى 11.8% في المتوسط خلال فبراير، مقابل 11.2% في يناير.

والتضخم الأساسي يستبعد عادة العناصر الأشد تقلبًا مثل بعض الأغذية والوقود، لذلك فإن صعوده يعني أن الضغوط السعرية لا تقتصر على البنود الموسمية وحدها.

وهذا يضع البنك المركزي أمام صورة أكثر تعقيدًا، لأن ارتفاع التضخم الأساسي يبعث برسالة مفادها أن جزءًا من موجة الغلاء ما زال مترسخًا داخل الاقتصاد، حتى مع تباطؤ الرقم العام مقارنة بالقمم السابقة.

 

ويرى محمد أبو باشا، كبير الاقتصاديين في إي إف جي هيرميس، في تقديرات سابقة بشأن التضخم المصري، أن أثر سنة الأساس لعب دورًا حاسمًا في تهدئة المؤشر العام، لكن المسار الحقيقي للأسعار يظل مرتبطًا بحركة الغذاء والخدمات وسعر الصرف والسياسات الإدارية.

وهذا التفسير يساعد على فهم ما يجري الآن: الرقم يتراجع عن ذروة 2023، لكن بنية التضخم نفسها لم تختف، بل أعادت ترتيب مواقعها داخل سلة الأسعار.

 

الفائدة تحت الاختبار قبل اجتماع إبريل

 

قرار البنك المركزي في 13 فبراير بخفض الفائدة 100 نقطة أساس استند إلى تباطؤ التضخم مقارنة بالمستويات السابقة، لكنه جاء أيضًا وسط تقديرات رسمية بأن التضخم سيظل في نطاق 11% إلى 12% خلال 2026 قبل أن يقترب من هدف البنك المركزي البالغ 7% على المدى المتوسط. غير أن أي ارتفاع جديد في قراءة فبراير، حتى لو كان محدودًا، سيجعل لجنة السياسة النقدية أكثر حذرًا في اجتماع 2 إبريل.

فالبنك المركزي لا يريد خنق النشاط الاقتصادي بفائدة مرتفعة، لكنه في المقابل لا يستطيع تجاهل إشارات عودة الأسعار إلى الصعود.

 

المفارقة أن الحكومة والبنك المركزي يروجان منذ أشهر لفكرة أن موجة التضخم الأسوأ أصبحت وراءنا، لكن المواطن العادي لا يقيس الأزمة بنسبة التراجع من 38% إلى 11.9%، بل بقدرته اليومية على الشراء.

ولذلك فإن أي صعود جديد، ولو من 11.9% إلى 12%، يحمل أثرًا نفسيًا وسياسيًا أكبر من حجمه الرقمي.

فالمشكلة لم تعد فقط في سرعة زيادة الأسعار، بل في أن مستوياتها المرتفعة أصبحت قاعدة معيشية جديدة.

 

إذا أكدت بيانات الثلاثاء 10 مارس 2026 هذه التوقعات، فسيكون واضحًا أن معركة التضخم في مصر لم تُحسم بعد.

أما إذا جاءت القراءة أعلى من ذلك، فستعود الأسئلة سريعًا حول جدوى خفض الفائدة، وحول قدرة السياسات الحالية على حماية الأسر من موجة غلاء تتغير أشكالها، لكنها لا تختفي.