تحولت مدن رئيسية في الإمارات خلال الأيام الأخيرة إلى ما يشبه مدنًا صامتة بعد الضربات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت منشآت داخل الدولة. الشوارع التي كانت تعج بالحركة في دبي وأبوظبي بدت أقل ازدحامًا. مراكز تجارية خفّ الإقبال عليها. وشركات كثيرة سمحت لموظفيها بالعمل عن بعد. الخوف أصبح عاملًا يوميًا في حسابات السكان، خصوصًا مع الحديث عن احتمال تكرار الضربات. في المقابل، تتحرك ماكينة إعلامية رقمية ضخمة تابعة للإمارات على مواقع التواصل لتقديم صورة مختلفة تمامًا، صورة تقول إن الحياة طبيعية وأن الاقتصاد مستمر بلا اضطراب.

 

المفارقة بين الواقع الذي يصفه مقيمون في الداخل والصورة التي تُعرض على الإنترنت أصبحت واضحة. مقاطع الفيديو التي تُنشر عبر حسابات رسمية أو مؤثرين مقربين من الحكومة تُظهر مطاعم مزدحمة ومراكز تسوق مكتظة، بينما يؤكد سكان أن الحركة الفعلية في بعض المناطق تراجعت بشكل ملحوظ منذ الضربات الصاروخية الأخيرة.

 

يقول الباحث في شؤون الخليج الدكتور أندرياس كريغ من كلية كينجز في لندن إن الهجمات الصاروخية، حتى لو كانت محدودة، تخلق أثرًا نفسيًا كبيرًا في المجتمعات التي لم تعتد على الحروب المباشرة. ويضيف أن دول الخليج تعتمد بشكل كبير على الشعور بالأمان لجذب المستثمرين والسياح، ولذلك فإن أي تهديد أمني ينعكس بسرعة على الحياة اليومية.

 

صواريخ إيران تضرب الثقة قبل الأهداف

 

الضربات الإيرانية التي طالت أهدافًا داخل الإمارات لم تكن مجرد حدث عسكري محدود. تأثيرها الأكبر كان نفسيًا واقتصاديًا. فالاقتصاد الإماراتي يقوم إلى حد كبير على الاستقرار وجذب المستثمرين والسياح. أي اهتزاز في هذا الاستقرار يترك أثرًا مباشرًا على النشاط التجاري.

 

في الأيام التي تلت الهجمات، تحدث مقيمون عن انخفاض الحركة في بعض الشوارع والمناطق التجارية. بعض الشركات متعددة الجنسيات راجعت خطط سفر موظفيها مؤقتًا. كما فضّل جزء من السكان تقليل التنقل غير الضروري، خاصة في المدن التي يُعتقد أنها قد تكون أهدافًا محتملة في حال تكرار الضربات.

 

الخبير العسكري مايكل نايتس من معهد واشنطن يقول إن الهدف من الهجمات الصاروخية في مثل هذه الحالات ليس فقط تدمير هدف عسكري، بل ضرب الثقة الاقتصادية. ويضيف أن دولة تعتمد على الاستثمار والسياحة مثل الإمارات يمكن أن تتأثر بشدة حتى لو كان عدد الضربات محدودًا.

 

ويشير نايتس إلى أن الحرب الحديثة تعتمد كثيرًا على التأثير النفسي. فمجرد وصول الصواريخ إلى العمق الاقتصادي لدولة ما يكفي لإثارة القلق لدى المستثمرين والشركات.

 

جيوش إلكترونية لإعادة إنتاج صورة “الاستقرار”

 

في المقابل، تحاول السلطات الإماراتية احتواء الصورة عبر حملة رقمية مكثفة على وسائل التواصل الاجتماعي. حسابات مؤثرة وصفحات مرتبطة بالمؤسسات الرسمية تنشر مقاطع تظهر الحياة الطبيعية في المدن الإماراتية. الرسالة الأساسية واضحة: لا شيء تغير.

 

لكن باحثين في الإعلام الرقمي يرون أن جزءًا من هذه الحملات يعتمد على شبكات من الحسابات المنظمة التي تعمل على تضخيم الرواية الرسمية وتقليل أهمية الأحداث الأمنية.

 

يقول الباحث في الإعلام الرقمي الدكتور مارك أوين جونز إن دولًا عديدة في الشرق الأوسط تستخدم ما يسمى “الجيوش الإلكترونية” للتأثير في النقاش العام على الإنترنت. ويضيف أن هذه الحسابات قد تعمل على نشر محتوى إيجابي بشكل مكثف لإخفاء الأخبار السلبية أو التقليل من أثرها.

 

ويرى جونز أن الحملات الرقمية تصبح أكثر نشاطًا عادة بعد الأزمات الأمنية أو السياسية، عندما تحاول الحكومات السيطرة على الرواية الإعلامية للأحداث.

 

اقتصاد قائم على الصورة

 

تعتمد الإمارات في جزء كبير من قوتها الاقتصادية على الصورة التي تقدمها للعالم. صورة الدولة الآمنة المستقرة التي تستقطب الاستثمارات والسياح. لذلك فإن أي حدث يهدد هذه الصورة يصبح تحديًا سياسيًا واقتصاديًا في الوقت نفسه.

 

الخبير الاقتصادي جيمس سوانستون من مؤسسة “كابيتال إيكونوميكس” يقول إن اقتصاد الإمارات يرتبط بشدة بثقة المستثمرين الدوليين. ويضيف أن الحفاظ على صورة الاستقرار أمر أساسي لاستمرار تدفق الاستثمارات والسياحة.

 

لكن سوانستون يشير أيضًا إلى أن الثقة الاقتصادية لا تُبنى فقط على الحملات الإعلامية، بل على الواقع الأمني والسياسي. فإذا استمر التوتر العسكري في المنطقة، فقد يصبح من الصعب الحفاظ على نفس مستوى النشاط الاقتصادي الذي عرفته الإمارات خلال السنوات الماضية.

 

في النهاية، تكشف الأحداث الأخيرة معادلة حساسة: صواريخ قليلة قادرة على إرباك اقتصاد كامل قائم على الاستقرار والصورة. وبين مدن أقل حركة على الأرض وحملات رقمية مكثفة على الإنترنت، تحاول الإمارات الحفاظ على الرواية التي بنت عليها نموذجها الاقتصادي: أن كل شيء ما زال طبيعيًا. لكن الواقع على الأرض قد يقول شيئًا مختلفًا.