اهتزّت دمياط على خبر غرق مركب صيد يقل 7 من أبنائها قبالة السواحل التركية، بعد أيام طويلة من القلق والانتظار. بدأت الرحلة في 2 فبراير، وكان من المفترض أن يعود المركب في 24 فبراير. لم يعد. انقطع الاتصال بالكامل. ثم تحولت الحكاية إلى رواية فقد وغرق، بينما الأهالي وحدهم يدفعون ثمن الوقت الضائع، وساعات الصمت، وتضارب المعلومات.

 

من داخل عزبة البرج، تتسع الفجوة بين ما يعرفه الناس وما تعلنه الجهات. تقرير صحفي محلي تحدث عن اختفاء المركب “أبو حمزة” وعلى متنه 8 أشخاص، بعد تأخره عن موعده منذ 8 أيام، مع استمرار تحقيقات الجهات المختصة وقلق أسر البحّارة. هذا التباين في العدد، بين 7 في روايات الأهالي و8 في رواية منشورة، لم يُفسَّر. لم يخرج بيان حاسم يشرح من على المركب أصلًا، وأين آخر نقطة اتصال مؤكدة.

 

12 يومًا بلا خط ساخن ولا إجابة واضحة

 

قال الأهالي إن المركب اختفى عن الشبكات ووسائل الاتصال 12 يومًا كاملة. لا نداء استغاثة موثق. لا تحديث رسمي معلن للرأي العام. فقط رسائل متقطعة، وتسريبات عن “آخر إحداثيات” أرسلها القبطان قبل انقطاع الاتصال. في واقعة كهذه، الزمن ليس تفصيلة. الزمن هو الفرق بين إنقاذ محتمل ومأساة مؤكدة.

 

زوجة أحد أفراد الطاقم قالت إنها لا تعرف الحقيقة: “كل شوية بكلام مختلف… المركب عطل بيهم… ولا غرق… ولا هما فين”. هذه الجملة تلخص ما يحدث: ارتباك بلا مرجعية. وفي بلد يرفع شعار “الدولة القوية”، تُترك أسر بحّارة بلا معلومة موحدة، وبلا جهة اتصال واحدة تعلن ما لديها، وبلا جدول زمني واضح للبحث.

 

قطاع الصيد المنهك يدفع الثمن وحده

 

الحادث لا ينفصل عن واقع قطاع الصيد في دمياط. أحمد المغربي، الذي يقدم نفسه كنقيب صيادين دمياط، اتهم الحكومة سابقًا بـ“التعنت” في تسهيل الإجراءات الخاصة بتنمية الصيد والاستزراع السمكي. الكلام ليس نظريًا. حين تكون الإجراءات معطلة، والتجديد مكلفًا، والدعم شبه غائب، تصبح المراكب أقدم وأضعف، وتصبح الرحلات أبعد وأخطر.

 

الموقع نفسه نقل ضمن المعوقات “ضعف إمكانيات مراكب الصيد” وأن كثيرًا منها “قديمة ومتهالكة”. هذا توصيف مباشر لمشكلة السلامة، حتى قبل أن يدخل البحر في المعادلة. ومع كل رحلة طويلة، يزداد ثقل المخاطرة على كتف البحّار وحده، بينما كلفة التدريب والتجهيز والتأمين لا تُعامل كأولوية دولة.

 

سلامة الملاحة على الورق.. والبحّارة خارج الحساب

 

اللواء بحري د. أشرف العسال، رئيس الهيئة المصرية لسلامة الملاحة البحرية، تحدث في رسالة منشورة عن “حماية الأرواح والممتلكات” و“تعزيز إطار السلامة البحرية” و“التعاون والشفافية”. هذه عبارات رسمية محكمة. لكن سؤال دمياط الآن أبسط: أين تظهر هذه المعايير عندما يختفي مركب صيد لأيام، وتعيش الأسر على الشائعات؟

 

الصدمة في دمياط ليست في البحر وحده. الصدمة في أن منظومة الاستجابة تبدو بطيئة وغامضة في لحظات حاسمة. الأهالي يقولون إن الجهات “تبحث وتحقق”. لكنهم لا يرون أثرًا سريعًا على الأرض، ولا بيانًا يشرح نطاق البحث، ولا تنسيقًا معلنًا مع السلطات التركية إذا كانت الواقعة قرب سواحلها كما تقول الروايات المتداولة.

 

“مفيش حد حاسس بينا”.. جملة قديمة تعود في لحظة الغرق

 

السعيد عاشور، نقيب الصيادين في دمياط، قال في واقعة سابقة تخص نفوق الأسماك: “رأس مالنا راح.. مفيش حد حاسس بينا”. الجملة ليست عن السمك فقط. هي عن الشعور المتكرر بأن الصيادين خارج أولويات الدولة، وأنهم يُتركون وحدهم عند الخسارة، وعند الخطر، وعند الموت المحتمل.

 

اليوم، تعود العبارة نفسها إلى الواجهة لكن بوجه أكثر قسوة. ليس نفوق أسماك. بل احتمال فقد 7 بحّارة، وربما أكثر وفق روايات أخرى. الأهالي يطالبون بتحديد دقيق للموقع، وبشفافية في آخر إشارة، وبإعلان ما تم فعله وما لم يتم. هذا ليس ترفًا إعلاميًا. هذا حق عائلات تبحث عن يقين.

 

في النهاية، ما بين 2 فبراير و24 فبراير وما بعدهما، هناك قصة لا يجب أن تُطوى بالعموميات. إذا كان المركب قد غرق فعلاً كما يقول الأهالي، فالمطلوب كشف المسؤولية: هل كانت هناك تجهيزات سلامة كافية؟ هل كانت الرحلة مرخصة ومتابَعة؟ هل تحركت جهة رسمية فور انقطاع الإشارة؟ وإذا كان الأمر ما زال “اختفاء” كما ورد في تقارير منشورة، فالسؤال أقسى: لماذا تُترك دمياط أيامًا في الظلام، بينما البحر لا ينتظر أحدًا؟