كشف سجال علني بين دعاة سلفيين وباحثين وناشطين على منصة «إكس» عن انقسام حاد داخل التيار الإسلامي بشأن الموقف من إيران والحرب الدائرة في المنطقة. التصريحات المتبادلة عكست صراعًا يتجاوز السياسة إلى تعريف الهوية والانتماء. البداية كانت مع تدوينة للباحث والأكاديمي تقادم الخطيب اعتبر فيها أن أطرافًا متباينة أيديولوجيًا باتت في خندق واحد في هذه الحرب، في إشارة إلى تحالفات غير متوقعة داخل المجال العام
السلفيين والتنويرين/العلمانيين والصهاينة إيد واحدة في هذه الحرب. https://t.co/wMz51dRFSF
— Taqadum Al-Khatib (@taqadum) March 2, 2026
الجدل تصاعد بعد هجوم الداعية السلفي وليد إسماعيل على مؤيدي إيران، معتبرًا أن احتفاء بعضهم بضرب دول عربية يعكس انحيازًا عقائديًا يتجاوز الانتماء الوطني
كم الفرحة من أرامل خامنئي في ضرب الدول العربية يوكد ما نقول به دائما أنهم أجساد عربية بقلوب إيرانية !
— وليد إسماعيل ( الدافع ) (@waleed_1_975) March 2, 2026
ردود الفعل جاءت واسعة، من ناشطين اعتبروا أن الخطاب الإقصائي يزيد الاستقطاب
كم الفرحة من أرامل خامنئي في ضرب الدول العربية يوكد ما نقول به دائما أنهم أجساد عربية بقلوب إيرانية !
— وليد إسماعيل ( الدافع ) (@waleed_1_975) March 2, 2026
ومن متابعين أعربوا عن خيبة أملهم في تحوّل خطاب دعوي إلى اصطفاف سياسي مباشر
تعرف يا شيخ وليد
— Sara (@SarrahSuli2000) March 2, 2026
أنا كنت بحب أسمع لك فعلا وكان ما ينغص عليا إنك معرص للسيسي من تحت لتحت كدة
وكنت بقول الخوف لا يطعن في إيمان المؤمن وقد يكون المؤمن جبانا
لكن تبين ليا إنها شيلة واحدة .. وأن المعرص في حاجة معرص على طول الخط
فشكرا ليك إنك وضحت الرؤية يا شيخ وليد يا معرص
استقطاب ديني يتجاوز السياسة
اللافت أن الجدل لم يتوقف عند حدود الخلاف السياسي، بل امتد إلى تأصيلات دينية. حساب يحمل اسم “البطريق” اعتبر أن المواجهة مع إسرائيل معركة وجودية، وأن الاصطفاف يجب أن يكون ضد المشروع الصهيوني أيا كانت الخلافات المذهبية، مستشهدًا بآيات قرآنية لتدعيم موقفه
اتقي الله إيران - التي لا احب - تخوض معركة وجودية ضد أعداء الأمة.
— البطريق (@D83Grendizer) March 2, 2026
وعلى الطائفيين الجُهّال أن يعوا أن سقوط إيران في هذه المعركة - لا قدّر الله - لن يعني سوى استعبادهم تحت راية "إسرائيل الكبرى".
قال تعالى:
"الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ…
في المقابل، طرحت مايسة سؤالًا مباشرًا حول البديل المطروح، متسائلة إن كان المطلوب الاصطفاف في الجهة الأخرى
يعني تريد منا ان نكون في صف إسرائيل مثلا ؟
— Massa Fouine (@MassaFouine1) March 2, 2026
بينما ذهب حساب آخر باسم “كم بنك” إلى الدفاع عن شرعية القتال ضد إسرائيل باعتباره معيارًا للانتماء الإسلامي
نطق الشهادتين
— cm.bunk (@cmbunkb) March 2, 2026
صلى صلاتنا إلى قبلتنا
صام شهرنا
جاهد عدونا لتحرير مقدساتنا حتي استشهد،
فهو المسلم .
انت عايز تكفره هذا شأنك لكن خد بالك انت هتتحاسب عليها.
رحم الله الإمام الشهيد السيد علي خامنئي
ويرى الدكتور عمار علي حسن، الباحث في علم الاجتماع السياسي، أن “هذا النمط من السجال يعكس انتقال الخلاف من السياسة إلى إعادة تعريف من هو المسلم ومن هو الوطني، وهي منطقة شديدة الخطورة”. ويضيف أن الخطاب الديني حين يُسخّر لتثبيت اصطفاف سياسي يتحول إلى أداة تعبئة لا إلى مرجعية أخلاقية.
خطاب دعوي تحت اختبار الحرب
تصاعد النقاش مع مطالبات من بعض المتابعين بمراجعة لغة التخوين في شهر رمضان، معتبرين أن الخطاب الديني يفترض أن يكون جامعًا لا مفرقًا
بالله عليك ، هل هذا كلام داعية مسلم في شهر رمضان الفضيل ، اتحداك تجاوبني بصدق و الله رقيب و سميع و عليم علينا ، ما هو شعورك عندما تقصف مدن الكيان المحتل ، اتحداك جاوبني و الله رقيب حسيب
— يحيى اليحيى (@Yhea1960) March 2, 2026
كما أشار إياد، وهو أحد المتابعين، إلى أن الموقف من إيران لا يجب أن يتحول إلى معيار للحكم على الأشخاص أو نياتهم
بص ياشيخ وليد والله كنت بحبك واحترمك لكن اللي انت بتعمله خلاني اكرهك علي فكرة انا سني مش. شيعي بس اكتشفت أن الشيعي انضف منك الف مرة وهما دول. رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه اتقي الله واهدي. الخامئني سيدك وسيد كل اسيادك
— اياد ياسر (@ydysr472062) March 2, 2026
الدكتور سعد الدين إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع السياسي، يرى أن “الخطاب الديني في لحظات الحرب يصبح مرآة للتوترات المكبوتة داخل المجتمعات”. ويشير إلى أن الاستقطاب المذهبي يتغذى على الأزمات الإقليمية، لكنه في جوهره يعكس أزمة ثقة أعمق بين الدولة والمجتمع وبين التيارات الإسلامية نفسها.
ويضيف أن الانقسام الحالي لا يتعلق بإيران وحدها، بل بسؤال أوسع: هل الأولوية للهوية المذهبية أم لمعادلة العدو والصديق في الإقليم؟
منصات التواصل كساحة حرب موازية
الملاحظ أن منصة «إكس» تحولت إلى ساحة مواجهة موازية، حيث يتم إعادة نشر التصريحات بسرعة، وتتسع دوائر التفاعل في ساعات قليلة. هذا التفاعل لا يقتصر على النخب، بل يشمل جمهورًا واسعًا يعيد تشكيل الخطاب العام.
الدكتورة هالة مصطفى، الباحثة في قضايا التحول السياسي، تؤكد أن “وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد ناقل للرأي، بل أصبحت مصنعًا للمواقف”. وتضيف أن سرعة الاستقطاب الرقمي تسبق أحيانًا التحليل الهادئ، ما يضاعف أثر العبارات الحادة ويحولها إلى مواقف جماعية.
وتشير إلى أن الحرب الإقليمية كشفت هشاشة التوافق داخل التيار الإسلامي نفسه. فهناك من يقدّم الصراع مع إسرائيل باعتباره أولوية مطلقة، وهناك من يرى في إيران خصمًا مذهبيًا لا يمكن تجاوزه حتى في ظل المواجهة مع تل أبيب.
النتيجة أن الجدل تجاوز حدود الاختلاف المشروع إلى معركة تعريف للانتماء. لم يعد السؤال فقط: مع من نقف؟ بل: من يملك حق تحديد الموقف الصحيح؟
في المحصلة، يكشف هذا السجال أن الحرب في الإقليم لا تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضًا بالكلمات والتأويلات. الانقسام الدعوي الحالي يعكس أزمة أعمق في بنية الخطاب الديني والسياسي العربي، حيث تختلط الهوية بالعقيدة، والسياسة بالعاطفة، والموقف الاستراتيجي بالحسابات المذهبية.
المشهد مرشح لمزيد من التصعيد طالما استمرت المواجهة العسكرية، وطالما بقيت منصات التواصل منصة مفتوحة لإعادة إنتاج الاستقطاب. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ينجح الخطاب الديني في استعادة منطقه الجامع، أم يبقى أسير الاصطفافات الحادة التي تعمق الانقسام بدل احتوائه؟

