كشفت منصة “ناتسيف نت” الإسرائيلية عن تحرك وحدات بحرية صينية نحو مضيق هرمز، في لحظة تتصاعد فيها المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ما يفتح الباب أمام تحول استراتيجي قد ينقل الصراع من نطاق إقليمي إلى معادلة دولية أكثر تعقيدًا.
التحرك الصيني، بحسب المنصة، يأتي ضمن خطوة مدروسة لتأمين ممرات الطاقة الحيوية، في وقت يمر فيه نحو 20% من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز. بكين، بوصفها أكبر مستورد للنفط في العالم، ترى في أي تهديد للمضيق خطرًا مباشرًا على اقتصادها.
الخطوة لم تُقرأ كتحرك دفاعي فقط، بل كرسالة سياسية وعسكرية موجهة إلى واشنطن. وجود مدمرات وفرقاطات صينية في الممر البحري الأهم عالميًا يعقّد أي عملية بحرية واسعة ضد إيران.
الطاقة أولًا.. هرمز شريان الاقتصاد الصيني
الصين تعتمد بشكل كبير على النفط المستورد لتغذية صناعتها الضخمة. أي تعطيل للملاحة في هرمز قد يرفع الأسعار ويضرب سلاسل التوريد، ما يجعل التحرك البحري خيارًا استباقيًا.
الدكتور جوناثان فولتون، الخبير في الشؤون الصينية بجامعة زايد، يرى أن “بكين تتحرك انطلاقًا من براغماتية اقتصادية. حماية خطوط الطاقة أولوية قصوى، خاصة في ظل اضطراب عالمي متزايد”.
المنصة الإسرائيلية أشارت إلى أن الصين تسعى لإظهار التماسك داخل تكتل بريكس، بالتعاون مع روسيا وإيران، لتقديم جبهة موحدة في مواجهة ما تصفه بالهيمنة الغربية على البحار.
هذا التحرك يحمل بعدًا رمزيًا. بكين لا تريد أن تظهر كمتفرج في لحظة إعادة رسم قواعد النفوذ البحري. إرسال الأسطول رقم 48 من قاعدتها في جيبوتي يعكس قرارًا سياسيًا على أعلى مستوى.
رسالة ردع أم خطوة استخباراتية؟
التقارير تحدثت عن أن السفن الصينية، ومنها المدمرة Type 052DL “تانغشان” والفرقاطة Type 054A “داتشينغ”، تؤدي دورًا استخباراتيًا عبر نقل معلومات آنية حول تحركات الأسطول الأمريكي الخامس.
البروفيسور أندرو إريكسون، الخبير البحري في كلية الحرب البحرية الأمريكية، يوضح أن “وجود سفن صينية متطورة في بيئة عمليات ساخنة يمنح بكين فرصة لاختبار قدراتها في الحرب الإلكترونية والمراقبة”.
التحرك قد يهدف أيضًا إلى إعاقة حرية المناورة الأمريكية. وجود قوات صينية وروسية في المضيق يجعل أي ضربة بحرية واسعة محفوفة بمخاطر احتكاك مباشر مع قوة كبرى.
المنصة الإسرائيلية أشارت إلى أن هذا الوجود قد يحد من قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على تنفيذ عمليات بحرية ضد أهداف إيرانية، خشية إصابة سفن صينية، ما قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية أوسع.
توازنات جديدة في بحر ملتهب
التحرك الصيني جاء بعد إعلان واشنطن بدء عمليات قتالية واسعة داخل إيران. بكين تسعى، وفق التحليل، إلى ردع أي حصار بحري شامل قد يؤدي إلى إسقاط النظام في طهران، الحليف الاستراتيجي لها.
الدكتور توماس جونز، الباحث في معهد تشاتام هاوس، يرى أن “الصين لا ترغب في حرب مباشرة، لكنها تريد منع واشنطن من فرض واقع أحادي في الخليج. وجودها البحري رسالة بأن المعادلة لم تعد أمريكية خالصة”.
إرسال سفينة الإمداد “تايهو” ضمن التشكيل البحري يشير إلى نية بقاء لفترة ممتدة، لا مجرد عبور عابر. الأسطول رقم 48 تحرك من جيبوتي، حيث تحتفظ الصين بقاعدتها العسكرية الوحيدة خارج أراضيها.
هذا الانتشار يعكس تحولًا تدريجيًا في العقيدة البحرية الصينية، من حماية السواحل إلى حماية المصالح العالمية. هرمز يمثل اختبارًا عمليًا لهذه الاستراتيجية.
حتى 2 مارس 2026، لم تصدر بكين بيانًا رسميًا يوضح تفاصيل المهمة، لكن المؤشرات واضحة. المضيق لم يعد فقط مسرحًا للتوتر الإيراني الأمريكي، بل أصبح نقطة تماس بين قوتين عالميتين.
المعادلة الآن أكثر هشاشة. أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى احتكاك مباشر. وجود مدمرات صينية في مسار عمليات الأسطول الأمريكي يرفع احتمالات سوء التقدير.
الصراع في الخليج دخل مرحلة جديدة. لم يعد إقليميًا بحتًا. الصين دخلت المشهد. واشنطن تراقب. موسكو تواكب. وطهران تستفيد من مظلة ردع غير مباشرة.
النتيجة النهائية لم تتضح بعد. لكن المؤكد أن بحر العرب ومضيق هرمز تحولا إلى مسرح اختبار لقواعد النظام الدولي نفسه. بين حماية النفط وردع الخصوم، تتقاطع مصالح القوى الكبرى فوق مياه ملتهبة، قد تحدد مسار المواجهة لسنوات مقبلة.

