تدخل الحرب في السودان عامها الرابع وقد تبدلت أدواتها، لكن كلفتها الإنسانية تتصاعد بوتيرة غير مسبوقة.
فمع تراجع المواجهات البرية المباشرة واتساع رقعة السيطرة المتبادلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تحولت المسيّرات العسكرية إلى السلاح الأكثر حضوراً في سماء البلاد، حاملة معها مشهداً يومياً من القصف العشوائي، وسقوط المدنيين، وتدمير البنية التحتية، في واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً.
المسيّرات… حرب من السماء فوق القرى والأسواق
في أقاليم كردفان ودارفور، حيث المساحات المفتوحة وخطوط التماس المتحركة، باتت الطائرات المسيّرة بديلاً عن الدفع بالقوات البرية.
الجيش السوداني يوجه ضرباته نحو مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، خصوصاً في دارفور وأجزاء من كردفان، بينما تستهدف مسيّرات الدعم السريع منشآت حيوية في ولايات الوسط والشمال والشرق.
النتيجة واحدة: مدنيون تحت القصف.
وفق مصدر طبي بوزارة الصحة، تجاوز عدد قتلى الهجمات بالمسيّرات خلال أقل من ستين يوماً 220 قتيلاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، فضلاً عن مئات المصابين.
ويؤكد المصدر أن القصف طال أسواقاً ومخيمات نازحين ومنشآت مياه وكهرباء ومستشفيات، في وقت ينفي فيه الطرفان مسؤوليتهما عن كثير من الضربات التي توقع خسائر بشرية جسيمة.
أم رسوم… الماء هدفاً للصواريخ
في 18 فبراير تحولت بئر مياه في قرية أم رسوم بولاية غرب كردفان إلى مسرح مجزرة. مسيّرة قصفت تجمعاً لنساء وأطفال كانوا ينتظرون دورهم للحصول على مياه الشرب. سقط 13 مدنياً قتلى وأصيب أكثر من عشرة آخرين.
المسؤول المحلي إبراهيم حمد أكد أن الموقع لم يكن يحمل أي طابع عسكري، بل يضم بئراً معروفة محلياً باسم "الدونكي"، وحولها ماشية وأهالٍ يحملون عبوات مياه. أربعة صواريخ أنهت المشهد في دقائق.
مخيم السنوط… صواريخ على خيام من قش
قبل ذلك بأقل من يومين، استهدفت مسيّرة مركز إيواء للنازحين في منطقة السنوط. وقع القصف بعد منتصف الليل، بينما كان النازحون نائمين داخل خيام بدائية من أغصان الأشجار وأكياس البلاستيك. الحصيلة: 26 قتيلاً، بينهم 15 طفلاً وتسع نساء، وأكثر من عشرين جريحاً.
الضحايا كانوا قد فروا من مدن الدبيبات والحمادي والنهود وبارا وكازقيل، هرباً من العمليات العسكرية. غير أن الحرب لاحقتهم إلى مخيماتهم المؤقتة.
الأسواق في مرمى النار
في 15 فبراير، قُصف سوق الصافية قرب مدينة سودري شمال كردفان، ما أدى إلى مقتل 31 مدنياً وإصابة العشرات. وفي اليوم ذاته، تعرض سوق "أديكونق" في غرب دارفور، قرب الحدود مع تشاد، لقصف مماثل أوقع عشرة قتلى.
سكان محليون أكدوا خلو السوقين من أي مظاهر عسكرية، فيما تكررت حوادث استهداف منشآت خدمية، بينها مستشفى المزموم في ولاية سنار، الذي قُصف في 16 فبراير، مخلفاً ثلاثة قتلى وثمانية مصابين من المرضى والكوادر الطبية.
وفي مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، تعرضت أحياء مكتظة بالنازحين لأكثر من ست غارات خلال أيام قليلة، كما طالت الصواريخ مباني تابعة لجامعة كردفان، في تصعيد يعكس انتقال المعارك إلى عمق المناطق المدنية.
أرقام أممية صادمة
أمام هذا المشهد، أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن عدد القتلى المدنيين في السودان خلال عام 2025 تجاوز ضعفي العام السابق، مسجلاً 11300 قتيل، من دون احتساب المفقودين والجثث مجهولة الهوية.
تورك وصف الحرب بأنها "بشعة ودموية وعبثية"، محملاً الجيش وقوات الدعم السريع، إضافة إلى "رعاتهما الأجانب"، مسؤولية تصاعد العنف.
وأشار إلى استخدام أسلحة متفجرة في مناطق مكتظة من دون تحذير مسبق، وإلى توسع استخدام المسيّرات بعيدة المدى، ما وسّع نطاق الخطر ليشمل مناطق كانت بعيدة عن خطوط القتال.
كما وثّقت الأمم المتحدة أكثر من 500 حالة عنف جنسي في 2025، وسط تحذيرات من تجنيد الأطفال وتصاعد عسكرة المجتمع.
عقوبات وتحالف غربي مرتقب
على الصعيد الدولي، فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات على أربعة من قادة قوات الدعم السريع، بينهم عبد الرحيم حمدان دقلو، شملت حظر السفر وتجميد الأصول، على خلفية اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، خصوصاً في مدينة الفاشر.
وفي تطور لافت، أعلنت دول المجموعة الأساسية بشأن السودان في مجلس حقوق الإنسان — ألمانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج وبريطانيا — أن أعمال العنف في الفاشر تحمل "سمات الإبادة الجماعية"، مؤكدة نيتها تشكيل تحالف لمنع مزيد من الفظائع.
عودة إنسانية خجولة إلى الخرطوم
في خطوة إنسانية وُصفت بالمهمة، هبطت طائرة تابعة للأمم المتحدة في مطار الخرطوم للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب عام 2023، في محاولة لإعادة تفعيل الجسر الإغاثي الجوي إلى العاصمة، التي تعاني نقصاً حاداً في الخدمات الأساسية.
لكن الاحتياجات تفوق الإمكانات. فقد أطلقت الأمم المتحدة خطة استجابة إنسانية لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار، لتقديم مساعدات لنحو 20.4 مليون شخص، في وقت يحتاج فيه 33.7 مليون سوداني إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني — وهو الرقم الأعلى عالمياً.

